الأحزاب والشعب: إلى أين وصلت حركتنا الحزبية الكوردية؟

حوران حم
لم تعد أزمة الحركة الحزبية الكوردية في سوريا مجرد أزمة أحزاب متفرقة أو قيادات أخطأت في إدارة المرحلة، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين المواطن والقائد، وبين القضية الكوردية والتنظيمات التي رفعت رايتها لعقود.
فالحركة السياسية الكوردية نشأت في ظروف قاسية، وفي ظل إنكار للوجود والحقوق القومية للكورد، ولذلك كان الانتماء الحزبي بالنسبة إلى أجيال عديدة فعلًا سياسيًا ووطنياً، وجزءًا من البحث عن الهوية والدفاع عن قضية شعب حُرم من حقوقه. وفي مراحل سابقة، لم يكن الانتماء قائمًا دائمًا على دراسة البرامج أو الفوارق الفكرية بين الأحزاب، بل كان يتشكل بفعل العائلة والقرية والصداقة والتأثير الاجتماعي، إلى جانب القناعة القومية والسياسية.
ومع مرور الزمن، تعددت الأحزاب والانشقاقات والتيارات، وأصبح المشهد الكوردي أكثر تشرذمًا. ومع ذلك بقيت القضية الكوردية أكبر من جميع هذه التنظيمات، وظل الشعب الكوردي هو صاحب القضية، بينما كانت الأحزاب يفترض أن تكون أدوات لخدمتها وتمثيلها.
لكن المشكلة بدأت عندما انعكست المعادلة، وأصبح الحزب في بعض الحالات أهم من القضية، والتنظيم أهم من المجتمع، والقيادة أهم من البرنامج.
هنا انتقلت الحزبية من كونها وسيلة للنضال السياسي إلى حالة من الاصطفاف الاجتماعي. لم يعد السؤال دائمًا: ما المشروع الذي يقدمه الحزب؟ وما مدى نجاحه في تحقيق أهداف القضية؟ بل أصبح السؤال: من مع هذا الحزب ومن ضده؟ ومن مع هذا القائد ومن ينتقده؟
وهذه الثقافة أنتجت ظاهرة خطيرة، وهي الدفاع عن الحزب حتى عندما يخطئ، والدفاع عن القيادة حتى عندما تفشل، وتحويل النقد إلى تهمة، والاختلاف إلى تخوين. وبذلك فقدت السياسة جزءًا من معناها، وتحولت في بعض الأحيان إلى ولاءات شخصية وتنظيمية مغلقة.
وليس من الإنصاف تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا الواقع. فالمجتمع نفسه ساهم، بدرجات مختلفة، في إنتاج هذه الثقافة. المواطن الذي يعرف أن حزبه أخطأ لكنه يدافع عنه فقط لأنه حزبه، والذي يهاجم الكاتب أو الناشط لأنه انتقد قيادته، والذي يعتبر الاختلاف خيانة، لا يبقى مجرد مؤيد سياسي، بل يصبح جزءًا من منظومة تعيد إنتاج الخطأ.
لكن مسؤولية الحزب والقيادة تبقى أكبر، خصوصًا عندما تمتلك التنظيم والمال والإعلام والسلاح والنفوذ. فالمواطن العادي لا يمكن أن يُساوى بالجهة التي تمتلك أدوات القوة والتأثير. ولهذا فإن محاسبة الأحزاب والقيادات ليست استهدافًا للحركة الكوردية، بل هي ضرورة لحمايتها من الانحراف.
لقد أظهرت السنوات الماضية، ولا سيما بعد عام 2011، حجم التحول الذي طرأ على الحياة السياسية الكوردية. لم تعد المنافسة محصورة بين برامج وأفكار سياسية، بل دخلت إليها عوامل جديدة: المال، والسلاح، والنفوذ، والمواقع، والإدارة، والإعلام. ونتيجة لذلك ظهرت مراكز قوة قادرة على التأثير في المجتمع، وأصبح جزء من الجمهور مرتبطًا بهذا الطرف أو ذاك لأسباب تتجاوز القناعة السياسية، لتصل أحيانًا إلى المصالح والحماية والوظيفة والارتباط بموازين القوة.
وهنا يجب أن نطرح السؤال الأهم: هل امتلاك القوة يمنح الشرعية؟ وهل امتلاك السلاح يعني امتلاك حق تمثيل الشعب؟ وهل القدرة على تنظيم المجتمع تعني الحق في الوصاية عليه؟
بالتأكيد لا.
فالشرعية السياسية لا تُقاس بحجم السلاح أو المال، وإنما بمدى احترام إرادة الناس، وبالقدرة على تقديم مشروع سياسي واضح، وبالقبول الشعبي، وبالمؤسسات والمحاسبة والشفافية.
إن القضية الكوردية في سوريا لا يمكن اختصارها في حزب أو حركة أو قائد. فهي قضية شعب وحقوق وهوية وتاريخ ومستقبل. ولذلك فإن اختلاف الكورد في الرؤى والتنظيمات أمر طبيعي، لكن غير الطبيعي هو أن تتحول الاختلافات إلى عداوات، وأن يصبح كل تنظيم وكأنه الممثل الوحيد للقضية.
إننا بحاجة اليوم إلى الانتقال من ثقافة “من يمثل القضية؟” إلى ثقافة “ما المشروع الذي يخدم القضية؟”.
وبحاجة أيضًا إلى إعادة تعريف دور الحزب. الحزب ليس وطنًا، والقائد ليس القضية، والأمين العام ليس فوق النقد، والتنظيم ليس ملكية خاصة، والجمهور ليس قطيعًا من المؤيدين.
الحزب الديمقراطي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يسمع النقد من داخله وخارجه، ويعترف بأخطائه، ويحاسب قياداته، ويجدد مؤسساته، ويفصل بين الشخص والمنصب، وبين القضية والتنظيم.
وفي المقابل، يحتاج المجتمع الكوردي أيضًا إلى مراجعة نفسه. فنحن بحاجة إلى مواطن لا يصفق لمجرد أن المتحدث ينتمي إلى حزبه، وإلى عضو حزبي يستطيع أن يقول: أخطأ حزبي. وإلى مؤيد يستطيع أن يختلف مع قائده دون أن يتحول إلى خصم. وإلى مثقف وصحفي وناشط يستطيع أن ينتقد الجميع دون أن يخشى من الاتهام أو التخوين.
هذه هي بداية الوعي السياسي الحقيقي.
إن مستقبل الحركة السياسية الكوردية لن يصنعه تغيير أسماء القيادات فقط، ولا تشكيل حزب جديد فوق حزب قديم، ولا عقد مؤتمر جديد من دون مراجعة التجربة. المطلوب هو تغيير الثقافة السياسية نفسها.
نحن بحاجة إلى أحزاب أقوى بالمؤسسات لا بالأشخاص، وبالبرامج لا بالشعارات، وبالجمهور الواعي لا بالجمهور المصفق.
ونحن بحاجة إلى حركة سياسية تدرك أن قوة القضية الكوردية لا تأتي من كثرة الأحزاب، وإنما من قدرتها على بناء رؤية مشتركة، وتوحيد الموقف حول الحقوق الأساسية، وإدارة الاختلاف بطريقة ديمقراطية، واحترام التعدد السياسي داخل المجتمع الكوردي.
لقد أثبتت التجربة أن الانقسامات الحزبية لا تلغي القضية، لكنها تضعف قدرتنا على الدفاع عنها. كما أثبتت أن تقديس القيادات لا يصنع قيادة تاريخية، وأن كثرة الأتباع لا تعني بالضرورة قوة المشروع.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي أمام الحركة الكوردية اليوم ليس: أي حزب هو الأفضل؟ ولا: أي قائد هو الأحق بالزعامة؟
السؤال الأهم هو: كيف نبني حركة سياسية يكون فيها الشعب أقوى من الحزب، والقضية أكبر من القائد، والحق أعلى من التنظيم، والمصلحة الوطنية فوق المصالح الحزبية؟
عندها فقط يمكن أن ننتقل من الحزبية المغلقة إلى السياسة الوطنية، ومن ثقافة الولاء للأشخاص إلى ثقافة الولاء للقضية، ومن جمهور يصفق إلى شعب يحاسب.
وهذه ليست مسؤولية الأحزاب وحدها، بل مسؤولية المجتمع والمثقفين والكتاب والإعلاميين والناشطين وكل من يؤمن بأن القضية الكوردية أكبر من أي تنظيم، وأن مستقبلها لا يمكن أن يُبنى بثقافة القطيع، وإنما بثقافة الوعي والنقد والمساءلة والمؤسسات.
إن إصلاح الحركة السياسية الكوردية يبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنقول لأنفسنا جميعًا: أخطأنا، وآن الأوان أن نتعلم من أخطائنا.
فالشعب الذي لا يحاسب أحزابه يعيد إنتاج أخطائها، والحزب الذي لا يقبل محاسبة شعبه يتحول مع الوقت من أداة لخدمة القضية إلى سلطة فوق المجتمع.
وهنا تكمن معركتنا الحقيقية: ليست مع حزب بعينه، ولا مع قائد بعينه، وإنما مع ثقافة سياسية جعلت الحزب أحيانًا فوق الإنسان، والقائد فوق النقد، والاختلاف خيانة.
إن كنا نريد مستقبلًا أفضل للقضية الكوردية في سوريا، فعلينا أن نخرج من هذه الدائرة، وأن نبني حياة سياسية جديدة يكون فيها الاختلاف مصدر قوة، والنقد وسيلة إصلاح، والحزب أداة، والشعب هو صاحب القرار.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من التصفيق، بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الوعي.
الشعب الواعي هو الضمانة الحقيقية لأي حركة سياسية، والحزب الذي يخشى وعي شعبه لا يستطيع أن يقود مستقبله.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…

محي الدين حاجي عند تفكيك المشهد السياسي والأيديولوجي للحركة الكردية العابرة للحدود، يتجلى بوضوح وجود مثلث تحليلي تتوزع فيه الأدوار بدقة بين ثلاثة أطراف حزب العمال الكردستاني (PKK) كمركز ثقل عقائدي، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كذراع حركي وتطبيقي في سوريا، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) كواجهة سياسية وبرلمانية داخل تركيا. تتحرك هذه الأطراف الثلاثة وفق هندسة فكرية صاغها زعيم…

د. محمود عباس على مدى عقود، جرى تقديم النائب الكوردي حسن خيري بك في جانب واسع من الخطاب السياسي والثقافي الكوردي بوصفه أحد النماذج الجاهزة لـ«الخيانة»، حتى اختُزل الرجل كله في موقف واحد اتخذه في واحدة من أكثر لحظات التاريخ الكوردي حساسية وتعقيدًا. ومع مرور الزمن، تحولت التهمة إلى شبه مسلّمة تُردد أكثر مما تُناقش، وكأن…

المحامي جكر سلو   يواجه سلك العدالة في سوريا تحديات جوهرية تتعلق بترسيخ سيادة القانون، وضمان استقلال السلطة القضائية، وتعزيز دور المحاماة بوصفها شريكًا أساسيًا في تحقيق العدالة. وترتبط معالجة هذه التحديات ارتباطًا وثيقًا بطبيعة النظام السياسي وشكل الدولة ومؤسساتها، إذ إن الدول الخارجة من الأزمات تتجه عادةً إلى إصلاح منظومتها القضائية وفق المعايير الدولية أو بما يوائم متطلبات العدالة…