المحامي جكر سلو
يواجه سلك العدالة في سوريا تحديات جوهرية تتعلق بترسيخ سيادة القانون، وضمان استقلال السلطة القضائية، وتعزيز دور المحاماة بوصفها شريكًا أساسيًا في تحقيق العدالة.
وترتبط معالجة هذه التحديات ارتباطًا وثيقًا بطبيعة النظام السياسي وشكل الدولة ومؤسساتها، إذ إن الدول الخارجة من الأزمات تتجه عادةً إلى إصلاح منظومتها القضائية وفق المعايير الدولية أو بما يوائم متطلبات العدالة الانتقالية وأركانها، بما يكفل سيادة القانون واستقلال القضاء، ويعزز الشفافية، ويضمن حق التقاضي .
وقد أكد الإعلان الدستوري في مقدمته وفي عدد من مواده مبدأ سيادة القانون ، وعلى الرغم من إشارته إلى مجلس القضاء الأعلى واختصاصاته وضمانات استقلاله، إلا أنه لم يحدد آلية تشكيله وبنيته الهيكلية، وهو ما يستدعي استكمال البناء الدستوري والمؤسساتي بما يعزز استقلال السلطة القضائية.
وبالرغم من انتهاء حقبة النظام البائد ، فإن مظاهر الفساد التي نخرت أروقة المؤسسات القضائية والعامة لم تُستأصل بعد، وإنما تبدلت صورها وأساليبها ،ومع ذلك لا يزال يتطلب الأمر بناء مرفق قضائي قوامُه الحوكمة الرشيدة والمساءلة والنأي به عن أي ممارسات قد تزعزع ائتمان المواطنين بالمؤسسة القضائية.
وفي الوقت ذاته فأن توجه وزارة العدل إلى قوننة الوساطة القضائية التي أكدت على تطوير مفهوم العدالة ، وبالنظر إلى التجارب التي شهدتها بعض المناطق خاصة ما تسمى “شمال شرق سوريا” سابقا، فإن هذه الوساطة ( مجالس الصلح ) لم تُسهم دائمًا في تحقيق العدالة أو تسوية النزاعات بصورة سليمة، بل شابت عملها في كثير من الأحيان إشكالات تتعلق بالفساد، وتعقيد وتعميق الخلافات، والإضرار بالتماسك الأسري والمجتمعي، بدلًا من معالجتها وفق قواعد قانونية واضحة .
لذا كان الأولى ألا تكون الوساطة على حساب دور القضاء والمحاماة، اللذين يشكلان جناحي العدالة وضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات ، بل كان يجب أن يتم تفعيل دور التحكيم المؤسسي أو الحر من خلال إنشاء مراكز تحكيم متخصصة ومنظمة وفق إطار قانوني واضح، وفتح المجال أمام الحقوقيين والمحامين للمساهمة في تأسيسها وإدارتها بما ينسجم مع المعايير الوطنية والدولية.
ويُعد التحكيم من الوسائل البديلة لتسوية المنازعات لما يوفره من سرعة في الفصل ومرونة في الإجراءات، لأمر الذي يسهم في تخفيف العبء عن المحاكم ويعزز الثقة بالبيئة القانونية ويشكل أحد العوامل المهمة في جذب الاستثمار وتشجيع النشاط الاقتصادي بعكس الوساطة الذي ينحصر نشاطه فقط بأطراف الدعوى دون غيرها من الشركات والمستثمرين.
بيد أن نجاح هذه المراكز يبقى مرهونًا بخضوعها للرقابة القانونية، واحترامها لضمانات المحاكمة العادلة وألا تكون بديلًا عن القضاء، وإنما مكملة لدوره ضمن منظومة العدالة وسيادة القانون.
والسؤال يبقى هل ستكون الوساطة منسجمة مع هيكل السلطة القضائية ودرجات التقاضي، أم ستكون كمنظومة موازية، بما قد يؤدي إلى إضعاف سيادة القانون والانتقاص من ضمانات العدالة .