حسن خيري: خطأٌ مصيري أم خيانة؟

د. محمود عباس

على مدى عقود، جرى تقديم النائب الكوردي حسن خيري بك في جانب واسع من الخطاب السياسي والثقافي الكوردي بوصفه أحد النماذج الجاهزة لـ«الخيانة»، حتى اختُزل الرجل كله في موقف واحد اتخذه في واحدة من أكثر لحظات التاريخ الكوردي حساسية وتعقيدًا. ومع مرور الزمن، تحولت التهمة إلى شبه مسلّمة تُردد أكثر مما تُناقش، وكأن الحكم قد صدر نهائيًا ولم يعد من حق التاريخ أن يعيد فتح الملف. لكن السؤال الذي ينبغي للحراك الثقافي الكوردي أن يطرحه بشجاعة هو أبسط وأعمق من ذلك: هل كل خطأ سياسي، مهما كانت نتائجه كارثية، يصبح خيانة؟ أم أن هناك فارقًا أخلاقيًا وتاريخيًا بين من أخطأ في تقدير مصلحة شعبه، وبين من اختار عن وعي واقتناع أن يعمل ضد حقوق ذلك الشعب ويستمر في ذلك؟

وللتدقيق، لم يكن حسن خيري عضوًا في الوفد التركي المفاوض في مؤتمر لوزان، لكنه كان نائبًا عن ديرسم في المجلس الوطني التركي الأول، وكان من أبرز النواب الكورد الذين استُخدم موقفهم لإبلاغ القوى الدولية في لوزان بأن الكورد لا يريدون الانفصال عن الأتراك، وأنهم يقبلون البقاء معهم ضمن إطار سياسي واحد في الدولة التركية الجديدة. وتفيد الروايات والوثائق البرلمانية بأنه، بناءً على طلب مصطفى كمال، حضر بالزي الكوردي، ودافع عن وحدة الكورد والأتراك، وأُرسلت إلى لوزان رسائل ومواقف بهذا المعنى. وقد أدى ذلك عمليًا دورًا مهمًا في تقوية الحجة التركية أمام بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والقوى الأخرى، في وقت كانت القضية الكوردية ما تزال حاضرة في الترتيبات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، ولم تكن فكرة كوردستان وحق الكورد في تقرير مصيرهم قد غابت تمامًا عن التداول الدولي.

ومن حقنا اليوم، بعد قرن من النتائج التي ترتبت على قيام الجمهورية التركية وسياساتها تجاه الكورد، أن نصف موقف حسن خيري بأنه خطأ سياسي وتاريخي بالغ الخطورة، وربما خطأ مصيريًا تجاوز أثره صاحبه ليطال شعبًا بأكمله. فالوعود بالأخوة والشراكة بين الكورد والأتراك التي رافقت مرحلة مصطفى كمال الأولى سرعان ما أُفرغت من مضمونها بعد تثبيت الدولة الجديدة، وانتقلت الجمهورية تدريجيًا إلى مركزية قومية أنكرت الهوية الكوردية، وقمعت الانتفاضات، وحظرت اللغة والتعبير القومي، وحاولت إعادة تعريف الكورد داخل هوية تركية واحدة.

لكن حجم النتيجة، مهما بلغ، لا يكفي وحده للحكم على طبيعة الفعل. وهنا ينبغي أن نفرّق بين الخطأ المصيري والخيانة. فالخيانة، في معناها الأخلاقي والسياسي العميق، ليست مجرد تقدير خاطئ في لحظة مضطربة، وإنما تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الوعي، والقصد، والاستمرار. أن يعرف المرء أن حقوق شعبه تُسلب، ثم يعمل عن قصد على إنكارها أو سحقها، وأن يرى آثار هذا الإنكار ثم يستمر فيه، وأن يحول قوة الدولة ومؤسساتها السياسية والأمنية إلى أداة ضد قضية شعبه، فهنا نتحدث عن اصطفاف واعٍ ومستمر. أما أن يراهن شخص على صيغة سياسية يعتقد، صوابًا أو خطأً، أنها ستضمن لشعبه شراكة داخل دولة مشتركة، ثم يكتشف أن الرهان كان وهمًا وأن الوعود تحولت إلى نقيضها، فهذه حالة أخرى، وإن كانت نتائج خطئه مأساوية.

وحالة حسن خيري أكثر تعقيدًا بكثير من الصورة التي ترسخت عنه. فقد عارض لاحقًا ممارسات السلطة، وانتقد ما جرى في كوجكري، ودافع عن قضايا منطقته، ثم وجد نفسه بعد سنوات قليلة خارج النظام الذي ساعد في لحظة ما على تثبيت حجته في لوزان، وانتهى به المطاف إلى محكمة الاستقلال والإعدام سنة 1925. بل إن المفارقة القاسية تكمن في أن ارتداءه الزي الكوردي، الذي قيل إنه جاء بطلب من مصطفى كمال لإظهار وحدة الكورد والأتراك أمام الداخل والخارج، عاد لاحقًا ضمن السياق الذي استُخدم ضده. أي إن الرجل الذي احتاجت إليه السلطة بوصفه «كورديا شاهدًا على الوحدة»، أصبح في مرحلة لاحقة موضع اتهام عندما لم تعد الدولة بحاجة إلى الشاهد نفسه.

أما الرواية الشائعة التي تقول إنه ندم إلى درجة أنه طلب أن يكون قبره على قارعة الطريق ليشتمه الكورد أو يبصقوا عليه كلما مروا به، فهي رواية متداولة، لكنها ليست من النوع الذي ينبغي بناء حكم تاريخي كامل عليه ما دامت تفاصيلها موضع خلاف ولم تثبت بوثيقة حاسمة. غير أن هذا لا يضعف ضرورة إعادة تقييم حسن خيري، بل يقويها؛ لأن إنصاف الرجل لا ينبغي أن يعتمد على أسطورة الندم. يكفي أن نقرأ مساره كله بدل أن نحاكمه بيوم واحد منه. وإذا ثبت أصل ندمه ومراجعته لموقفه، فإن الندم لا يمحو الخطأ ولا يعيد فرصة ضاعت، لكنه يغيّر طبيعة الحكم الأخلاقي على صاحبه؛ فالذي يكتشف خطأه ويصطدم بنتائجه ليس كالذي يرى المأساة كاملة ثم يختار الاستمرار في صناعتها.

وهنا تظهر مفارقة أكبر في ذاكرتنا السياسية. فإذا كانت كلمة «الخيانة» تستخدم بهذه السهولة بحق حسن خيري، فكيف ينبغي أن نتعامل مع شخصيات انحدرت، أو تنسبها روايات تاريخية، إلى أصول أو بيئات كوردية، ثم كرّست مواقعها السياسية والعسكرية والأمنية لخدمة دولة أنكرت الكورد أو حاربت حراكهم؟

يبرز هنا اسم عصمت إينونو، الرجل الثاني في تأسيس الجمهورية بعد مصطفى كمال، وأحد أبرز قادتها العسكريين والسياسيين، ثم رئيس تركيا بعد أتاتورك. وتدور روايات مختلفة حول أصول أسرته من جهة الأب، وبعضها يربطها ببيئة كوردية من بدليس، في مقابل الرواية الرسمية التركية التي تنفي ذلك. لكن القضية في الحقيقة ليست إثبات كورديته أو نفيها؛ فالأهم أنه أصبح أحد أعمدة الدولة التركية الحديثة، وعاش في قلب المرحلة التي انتقلت فيها الجمهورية من خطاب الشراكة مع الكورد إلى قمع حركاتهم وتكريس النموذج القومي المركزي.

والأمر يطرح نفسه، بصيغة معاصرة، مع هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي ورئيس الاستخبارات السابق، الذي تنسب إليه مصادر متداولة جذورًا كوردية من وان ومن عشيرة حسنان الكوردية المعروفة، بينما يندمج سياسيًا وهوياتيًا بصورة كاملة في المؤسسة التركية ويتعامل مع نفسه بوصفه جزءًا من مشروع الدولة التركية. وهنا أيضًا لا ينبغي أن نقع في الخطأ المعاكس: أن نجعل الأصل العائلي محكمة قومية، أو أن نعتبر الإنسان خائنًا لمجرد أنه من أصل كوردي ويعرّف نفسه تركيًا.

فالهوية ليست جينًا، والخيانة ليست مسألة دم.

للإنسان أن يختار هويته الشخصية كما يشاء، سواء عرّف نفسه كورديًا أو تركيًا أو عربيًا أو فارسيًا. لكن المسألة تتغير عندما ينتقل الاختيار من المجال الشخصي إلى العمل السياسي والأمني المنظم ضد حقوق شعب ينتمي الشخص تاريخيًا إلى بيئته. عندما يصبح جزءًا من مؤسسة تعرف القضية الكوردية، وتعرف قرنًا كاملًا من الإنكار والصراع، ثم يعمل عن وعي على استمرار النهج الذي يحاصر الحقوق القومية أو يحوّل قضية شعب إلى ملف أمني، لم نعد أمام مجرد اختيار للهوية، بل أمام موقف سياسي مقصود ينبغي أن يخضع هو الآخر للحكم التاريخي.

وهنا يصبح الفرق جوهريًا. يمكن أن نحمّل حسن خيري مسؤولية قرار فادح، وأن ننتقد سذاجته السياسية إن شئنا، وثقته بمصطفى كمال، وسوء تقديره لما كان ينتظر الكورد بعد لوزان. لكن هل يصح أخلاقيًا وتاريخيًا أن نضعه في مرتبة من عاشوا بعد انكشاف الخديعة، وشاهدوا انتفاضات كوجكري والشيخ سعيد وديرسم وسياسات الإنكار والتهجير والحظر، وعرفوا القضية الكوردية بكل أبعادها، ثم اختاروا رغم ذلك أن يجعلوا الدفاع عن مركزية الدولة وسياساتها تجاه الكورد جزءًا من مشروعهم السياسي أو الأمني؟

من أخطأ قبل انكشاف الخديعة ليس كالذي عرفها بعد انكشافها ثم اختار خدمتها.

وهذه الجدلية لا تخص حسن خيري ولا عصمت إينونو ولا هاكان فيدان وحدهم؛ إنها تمس طريقة الحراك الكوردي نفسه في كتابة التاريخ. فقد اعتدنا، أحيانًا، أن نصنع البطل والخائن بسهولة مفرطة، فنحمل شخصًا واحدًا أوزار مرحلة كاملة، وننسى توازنات بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا ومصالح القوى الدولية التي أعادت رسم المنطقة، ثم نكرر الحكم جيلاً بعد جيل حتى يصبح جزءًا من الذاكرة المقدسة التي لا يجوز الاقتراب منها. وفي المقابل، تمر أسماء وشخصيات ومؤسسات ساهمت لعقود في إنكار الكورد وقمعهم من دون أن تخضع دائمًا للمقياس الأخلاقي نفسه.

وهذا بالضبط ما ينبغي أن يعيد الحراك الثقافي الكوردي النظر فيه. فمهمته ليست إعادة تلاوة الأحكام التي أنتجتها السياسة، وإنما إعادة فحصها. عليه أن يفرّق بين الخطأ والجريمة، وبين الوهم والخيانة، وبين الندم والإصرار، وبين الأصل القومي والموقف السياسي، وبين من أخطأ وهو يعتقد أنه يخدم شعبه ومن جعل محاربة قضية شعبه مشروعًا واعيًا وممتدًا.

ولا يعني ذلك تبرئة حسن خيري. بعض الأخطاء السياسية لا يمكن إصلاح نتائجها، وبعضها تدفع الشعوب ثمنه أجيالًا. ومن حق الكورد أن يحاسبوا موقفه نقديًا وبأقصى صرامة، وأن يقولوا إنه أخطأ في لحظة ربما كانت من أندر اللحظات التي أصبحت فيها القضية الكوردية جزءًا من ترتيبات دولية كبرى. لكن المحاسبة شيء، والتخوين شيء آخر. العدالة التاريخية لا تعني تخفيف الحكم، بل تعني تسمية الأشياء بأسمائها الدقيقة.

ولهذا ربما آن الأوان أن نُخرج حسن خيري من خانة «الخائن» الجاهزة، لا لننقله إلى خانة «البطل»، بل لنضعه في مكان أكثر عدلًا وأقرب إلى الحقيقة: رجل كوردي اتخذ قرارًا سياسيًا مصيريًا أخطأ فيه، وساهم موقفه في تقوية الحجة الكمالية، ثم وجد نفسه لاحقًا في مواجهة النظام نفسه الذي استفاد من موقفه، ودفع حياته في ظل ذلك النظام.

أما الخيانة، إذا أردنا أن تبقى للكلمة قيمتها الأخلاقية والتاريخية، فهي شيء آخر، أن تعرف مأساة شعبك، وأن ترى نتائج إنكار حقوقه، وأن تملك فرصة مراجعة موقفك، ثم تختار عن وعي وإصرار أن تكون جزءًا من استمرار تلك المأساة.

ليس كل من أخطأ خائنًا، وليس كل من حمل أصلًا كورديًا وفيًّا للكورد. وبين الاثنين تاريخ كامل يحتاج إلى عقل ناقد، لا إلى محكمة شعارات.

وإعادة النظر في حسن خيري ليست دفاعًا عن رجل مات قبل قرن، بقدر ما هي دعوة إلى إعادة النظر في معاييرنا نحن: كيف نصنع الخائن؟ وكيف نصنع البطل؟ وعلى أي أساس نحاكم رجال تاريخنا؟ فالأمة التي تريد أن تكتب تاريخها بوعي لا يكفيها أن تعرف أسماء أعدائها، بل عليها أن تمتلك الجرأة لمراجعة أحكامها على أبنائها أيضًا.

إعادة كتابة تاريخنا لا تعني اختراع ماضٍ جديد، بل تحرير الماضي من الأحكام التي حجبت تعقيده. وربما يكون حسن خيري أحد أكثر الأمثلة حاجة إلى هذه المراجعة.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
22/8/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…

حوران حم لم تعد أزمة الحركة الحزبية الكوردية في سوريا مجرد أزمة أحزاب متفرقة أو قيادات أخطأت في إدارة المرحلة، بل أصبحت أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحزب والمجتمع، وبين المواطن والقائد، وبين القضية الكوردية والتنظيمات التي رفعت رايتها لعقود. فالحركة السياسية الكوردية نشأت في ظروف قاسية، وفي ظل إنكار للوجود والحقوق القومية للكورد، ولذلك كان الانتماء الحزبي بالنسبة…

محي الدين حاجي عند تفكيك المشهد السياسي والأيديولوجي للحركة الكردية العابرة للحدود، يتجلى بوضوح وجود مثلث تحليلي تتوزع فيه الأدوار بدقة بين ثلاثة أطراف حزب العمال الكردستاني (PKK) كمركز ثقل عقائدي، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كذراع حركي وتطبيقي في سوريا، وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM Party) كواجهة سياسية وبرلمانية داخل تركيا. تتحرك هذه الأطراف الثلاثة وفق هندسة فكرية صاغها زعيم…

المحامي جكر سلو   يواجه سلك العدالة في سوريا تحديات جوهرية تتعلق بترسيخ سيادة القانون، وضمان استقلال السلطة القضائية، وتعزيز دور المحاماة بوصفها شريكًا أساسيًا في تحقيق العدالة. وترتبط معالجة هذه التحديات ارتباطًا وثيقًا بطبيعة النظام السياسي وشكل الدولة ومؤسساتها، إذ إن الدول الخارجة من الأزمات تتجه عادةً إلى إصلاح منظومتها القضائية وفق المعايير الدولية أو بما يوائم متطلبات العدالة…