كردستان العزيزة بين حق الأمن وحدود السيادة

شادي حاجي
يواجه إقليم كردستان، أرض الصمود ونبض الجبل ووجع الحرية، مرة أخرى تداعيات صراع إقليمي لم يكن طرفاً مباشراً فيه، ولا يملك قرار اندلاعه، لكنه يتحمل جانباً من نتائجه الأمنية والسياسية. وتأتي الهجمات التي تستهدف مؤسسات الإقليم وشخصياته الرسمية بالصواريخ والطائرات المسيّرة لتطرح تساؤلات جدية حول احترام أمن كردستان وسيادة العراق واستقراره، ومسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية في منع تحويل الأراضي العراقية، بما فيها إقليم كردستان، إلى ساحة للصراعات وتصفية الحسابات.
وفي الاستهداف الأخير الذي طال مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان، السيد مسرور بارزاني، تشير المعطيات المتاحة إلى أن الطائرات المسيّرة انطلقت من الأراضي الإيرانية، في سياق سلسلة من الهجمات التي تعرض لها الإقليم. وعليه، فإن المسؤولية السياسية عن هذا الاعتداء لا ينبغي تخفيفها أو وضعها في إطار توصيفات عامة، إذ جاءت الهجمات التي استهدفت كردستان في سياق اعتداءات إيرانية مباشرة، إلى جانب هجمات نفذتها أو ارتبطت بميليشيات موالية للنظام الإيراني. وبذلك، فإن استهداف مؤسسات الإقليم ليس حادثاً أمنياً عابراً، بل اعتداء على أمن كردستان وسيادة العراق، ومحاولة لفرض أجندة الصراع الإيراني على أرض لم تكن طرفاً فيه.
ومن منظور القانون الدولي، فإن استخدام أراضي الدول أو توجيه عمليات عسكرية عبر الحدود ضد أهداف تقع داخل دولة أخرى يمثل مساساً بمبدأ السيادة واحترام الحدود. كما أن حماية أمن إقليم كردستان تندرج ضمن مسؤولية الدولة العراقية في حماية أراضيها ومواطنيها ومؤسساتها، بما فيها مؤسسات الإقليم.
إن النظام الإيراني، بما يمتلكه من قدرات عسكرية وأمنية، وبما يرتبط به من ميليشيات وجماعات مسلحة في المنطقة، يتحمل مسؤولية سياسية وأمنية عن سياسة التصعيد التي امتدت آثارها إلى إقليم كردستان. وقد شهد الإقليم خلال الأشهر الماضية هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدفت مواقع حكومية وأمنية وقوات البيشمركة ومرافق مدنية، من جانب إيران وميليشيات موالية لها.
وفي هذا الإطار، فإن استهداف مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان، السيد مسرور بارزاني، يمثل اعتداءً خطيراً على أمن مؤسسات الإقليم واستقراره، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره حادثاً منفصلاً عن السياق الإقليمي. إن استهداف مقر رئيس الحكومة، أياً كانت الذرائع، هو رسالة عدائية موجهة إلى مؤسسات كردستان وقرارها السياسي، كما أنه انتهاك لسيادة العراق وأمنه.
وإننا ندين ونستنكر بأشد العبارات هذا الاعتداء، ونحمّل النظام الإيراني والميليشيات المرتبطة به مسؤولية هذا النهج العدائي تجاه إقليم كردستان، ونرفض بصورة قاطعة أي اعتداء يطال مؤسسات الإقليم أو شخصياته الرسمية أو يهدد أمن مواطنيه واستقراره.
إن اللجوء إلى الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مؤسسات الإقليم يمثل انتهاكاً واضحاً لحرمة الأراضي العراقية وسيادتها، ومحاولة غير مقبولة لفرض منطق الصراع الإيراني على إقليم لم يكن طرفاً فيه. كما أن استهداف المؤسسات والمسؤولين لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، ولا ينبغي أن يتحول إلى أمر اعتيادي أو يمر من دون موقف سياسي وقانوني واضح يحمّل الجهات المسؤولة، وفي مقدمتها النظام الإيراني والجهات والميليشيات المرتبطة به، تبعات أفعالها.
لقد أثبتت الأحداث أن كردستان لم تكن، ولن تكون، ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فمنذ بداية التصعيد الإقليمي، حافظ الإقليم على موقف واضح يرفض الانجرار إلى الحروب، في الوقت الذي تعرض فيه لسلسلة من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد أعلنت حكومة إقليم كردستان مراراً إدانتها للهجمات الإيرانية وطالبت الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي بوضع حد لهذه الانتهاكات.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات مقاربة مؤسساتية ودبلوماسية واضحة، تقوم على توحيد الموقف السياسي، وتفعيل الآليات القانونية، وتعزيز التنسيق بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، إلى جانب مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه حماية المدنيين واحترام أمن إقليم كردستان وسيادة العراق، واتخاذ موقف واضح من الاعتداءات الإيرانية والجهات والميليشيات التي تنفذ أو تسهّل هذه الهجمات.
وفي ظل هذه الظروف، تبرز أهمية استمرار حكومة إقليم كردستان في حماية مؤسساتها وتعزيز الاستقرار ودفع مسار التنمية. ويواصل رئيس الوزراء مسرور بارزاني العمل في هذا الاتجاه، في محاولة للحفاظ على أمن الإقليم وصون قراره السياسي، بالتوازي مع مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
إن قوة كردستان لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة التهديدات، وإنما أيضاً بقدرتها على تجنب الانجرار إلى صراعات الآخرين، والحفاظ على مؤسساتها واستقرارها والتمسك بقرارها السياسي. ولذلك، فإن الرسالة الأساسية يجب أن تكون واضحة: كردستان ليست ساحة لتصفية الحسابات الإيرانية، وليست أرضاً مباحة للنظام الإيراني أو الميليشيات التابعة له، وأمن شعبها ومؤسساتها جزء لا يتجزأ من أمن العراق واستقراره.
إن احترام سيادة العراق لا يمكن أن يكون انتقائياً، كما أن أمن إقليم كردستان لا ينبغي أن يكون موضع مساومة أو تفاوض. فحين تُطلق الصواريخ والطائرات المسيّرة من خارج الحدود باتجاه مؤسسات الإقليم، فإن الأمر لا يتعلق بكردستان وحدها، بل بسيادة الدولة العراقية وبالنظام الإقليمي والقانون الدولي.
ويبقى الهدف الأهم هو ضمان حق شعب كردستان في العيش بأمن وكرامة واستقرار، وترسيخ الإقليم بوصفه مساحة للسلام والتعايش والانفتاح، لا ميداناً للصراعات الإقليمية. والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع، وفي مقدمتهم النظام الإيراني والميليشيات المرتبطة به، هي أن كردستان لن تكون ساحة لحروب الآخرين، وأن شعبها ومؤسساتها وقرارها السياسي خط أحمر، وأن الاعتداء عليها يجب ألا يمر من دون مساءلة سياسية وقانونية.
كردستان تريد السلام، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بحقها المشروع في الأمن والدفاع عن مؤسساتها وشعبها، وبحقها في أن تعيش داخل عراق يحترم سيادته ويحمي حدوده، بعيداً عن أجندات القوى الإقليمية وتدخلاتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن المقاومة الإيرانية، شأنها شأن الشعب الإيراني، تطالب بجمهورية ديمقراطية قائمة على فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران غير نووية خالية من أسلحة الدمار الشامل، مبنية على السلام والتعايش والتعاون الدولي والإقليمي، وتناضل من أجل إحقاق حقوق شعبها. وبعبارة أخرى، فهي تعمل قبل كل شيء على نقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين،…

عزالدين ملا في ذكرى ميلاد الرئيس مسعود بارزاني، تتجاوز المناسبة حدود الاحتفال بميلاد شخصية سياسية، لتصبح محطة تستعيد فيها الذاكرة الكوردستانية محطات طويلة من النضال والتضحيات والتحولات التي رافقت مسيرة الشعب الكوردي. فاسم مسعود بارزاني ارتبط، بالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء كوردستان، بتاريخ الحركة التحررية الكوردستانية وبمرحلة الانتقال من زمن الثورة والمواجهة إلى زمن المؤسسات والسياسة والدبلوماسية، ولذلك تحضر…

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…