أبدية الكرد وكردستان

خوشناف سليمان

تظهر بين حين وآخر مواقف عنصرية وشوفينية تنكر وجود الكرد أو تقلل من شأن تاريخهم وهويتهم. ومن أجل مقاربة هذه القضايا بعيدا عن الإنكار والتسييس، لا بد من العودة إلى التاريخ والجغرافيا، والتمييز بين الوقائع الموثقة والتفسيرات والروايات المختلفة.

الكرد شعب ذو جذور تاريخية عميقة في منطقة الشرق الأدنى، يمتلك لغة وثقافة وهوية مميزة تطورت عبر قرون طويلة. وتعد مناطق واسعة مما يعرف في الأدبيات التاريخية والجغرافية بكردستان، الواقعة في أجزاء من بلاد ما بين النهرين وعلى امتداد سلاسل جبال زاغروس وطوروس، من أقدم مواطن الاستقرار البشري والحضارات الزراعية في العالم. وتشير الاكتشافات الأثرية في مواقع مثل كهف شانيدار، وبيستون، وقرية جرمو، إلى أن هذه المنطقة شهدت مراحل مبكرة من حياة الإنسان والاستقرار والزراعة خلال عصور ما قبل التاريخ. ويرى بعض الباحثين أن هذا الإرث الحضاري يمثل جزءا من تاريخ المنطقة التي يعيش فيها الكرد اليوم، مع ضرورة التمييز بين المجتمعات القديمة التي سبقت ظهور الهويات القومية الحديثة بآلاف السنين، وبين تشكل الهوية الكردية في مراحل تاريخية لاحقة.

ينحدر الكرد من مزيج من العناصر البشرية التي عاشت في المنطقة عبر آلاف السنين. ويرى عدد من الباحثين في الكردولوجيا أن الميديين، وهم شعب هندو أوروبي قديم ظهر نفوذه في الهضبة الإيرانية خلال القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، يمثلون أحد المكونات التاريخية المهمة في تكوين الشعب الكردي، إلى جانب شعوب أخرى سكنت المنطقة عبر العصور. ولذلك فإن الربط بين الكرد والميديين يعد رأيا تاريخيا وأكاديميا معتبرا، وإن لم يكن محل إجماع كامل بين جميع المؤرخين وعلماء اللغات، إذ يرى كثير من الباحثين أن الشعوب الحديثة تشكلت نتيجة تداخل عناصر سكانية وثقافية متعددة عبر التاريخ.

وللكرد لغتهم الخاصة، وهي اللغة الكردية بفروعها المختلفة، كما عرف تاريخهم تنوعا دينيا وثقافيا. فقد كانت الزرادشتية من الديانات القديمة في المنطقة قبل انتشار الإسلام، ثم أصبح الإسلام الدين الغالب بين معظم الكرد بعد الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي، مع استمرار وجود تنوع مذهبي وديني بينهم.

وبعد الفتح الإسلامي أصبحت مناطق كردستان جزءا من الدول الإسلامية المتعاقبة، واحتفظت في مراحل مختلفة بدرجات متفاوتة من الإدارة المحلية والنفوذ السياسي. وفي عام 1514، بعد معركة جالديران بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية، دخلت مناطق واسعة من كردستان ضمن نطاق النفوذ العثماني، بينما بقيت مناطق أخرى ضمن النفوذ الصفوي ثم الإيراني لاحقا. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت كردستان موزعة بين دول مختلفة، ثم زادت هذه التقسيمات مع إعادة رسم حدود الشرق الأوسط في القرن العشرين.

وخلال الحرب العالمية الأولى، أدت هزيمة الدولة العثمانية والتسويات بين القوى الكبرى إلى ظهور نظام الانتدابات وإعادة رسم حدود دول المنطقة الحديثة. ففي عام 1921 تأسست المملكة العراقية تحت الانتداب البريطاني، وتولى الشريف فيصل بن الحسين عرش العراق. أما سوريا بحدودها الحالية فقد تشكلت تدريجيا خلال فترة الانتداب الفرنسي، بعد إعادة تنظيم وتقسيم عدد من الولايات والمناطق العثمانية السابقة في بلاد الشام ومناطق الجزيرة. وفي مطلع القرن العشرين، وبعد انسحاب العثمانيين من المنطقة، حاول الأمير فيصل تأسيس حكومة عربية في دمشق، إلا أن مؤتمر سان ريمو عام 1920 أقر نظام الانتداب، فوضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، والعراق وفلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني. إن حدود سوريا الحالية لا تتطابق تماما مع التقسيمات الإدارية العثمانية السابقة، إذ كانت المنطقة تضم ولايات وأقاليم مختلفة مثل ولاية حلب وولاية دمشق وولاية بيروت، إضافة إلى مناطق الجزيرة والفرات الأعلى التي كانت لها خصوصيات إدارية وسكانية. ولهذا فإن طبيعة انتماء بعض هذه المناطق تاريخيا تبقى موضوع نقاش بين الباحثين وفق المعايير المستخدمة في تعريفها. وعند رسم الحدود بين تركيا وسوريا بعد الحرب العالمية الأولى، وخاصة بموجب الاتفاقيات الفرنسية التركية في بداية عشرينيات القرن الماضي، جرى تحديد الحدود وفق مصالح سياسية واستراتيجية للقوى المتفاوضة. وتشير دراسات عديدة إلى أن مناطق مثل كرد داغ، المعروفة اليوم بعفرين، وكوباني، المعروفة أيضا باسم عين العرب، ومنطقة الجزيرة، كانت تضم تجمعات سكانية كردية كبيرة آنذاك، إلى جانب وجود مكونات عربية وسريانية وأرمنية وغيرها. كما تختلف التقديرات الديموغرافية بحسب الفترة الزمنية والمصادر المستخدمة.

أما فيما يتعلق بمبادئ الرئيس الأمريكي وودرو ولسون عام 1918، فإن البند الثاني عشر لم يذكر الكرد بالاسم، لكنه تحدث عن ضمان حياة آمنة وفرصة للتطور الذاتي للقوميات غير التركية داخل الدولة العثمانية. وقد اعتبر الوفد الكردي في مؤتمر باريس للسلام، إلى جانب عدد من السياسيين الكرد في تلك المرحلة، هذه المبادئ أساسا للمطالبة بحقوق قومية وسياسية للكرد.

وفي مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، قدم الممثل الكردي شريف باشا مذكرات تضمنت مطالب سياسية تتعلق بحقوق الكرد وتحديد حدود كردستان وإنشاء كيان يتمتع بحقوق قومية. كما شهدت تلك المرحلة نقاشات ومواقف من بعض قادة الحلفاء تناولت مستقبل الشعوب والقوميات التي كانت ضمن الدولة العثمانية.

ثم جاءت معاهدة سيفر في 10 أغسطس 1920، التي تضمنت مواد تتعلق بإقامة نظام للحكم الذاتي الكردي في مناطق معينة، مع إمكانية الوصول إلى الاستقلال بشروط وإجراءات محددة. إلا أن المعاهدة لم تدخل حيز التنفيذ، في ظل التحولات السياسية والعسكرية التي أعقبت الحرب وصعود الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال، ثم استبدلت لاحقا بمعاهدة لوزان عام 1923، التي لم تتضمن إنشاء دولة كردية.

وهكذا، شهدت الفترة الممتدة من مبادئ ولسون ومؤتمر باريس إلى معاهدة سيفر ولوزان مرحلة حاسمة في طرح المسألة الكردية على المستوى الدولي، قبل أن تتجه التسويات السياسية اللاحقة نحو الإبقاء على الحدود والكيانات التي تشكلت في المنطقة دون إنشاء دولة كردية مستقلة.

ويرى الكثير من الكرد أن نتائج اتفاقية سايكس بيكو ونظام الانتدابات أدت إلى تقسيم المناطق الكردية بين عدة دول، وأن الحدود التي رسمت بعد الحرب العالمية الأولى لم تعكس دائما الواقع القومي والثقافي لشعوب المنطقة. ولذلك يطالبون بإعادة النظر في هذه الترتيبات السياسية بما يضمن حقوقهم القومية والثقافية والسياسية. وفي المقابل، يرى آخرون أن الحدود الحالية أصبحت واقعا سياسيا وقانونيا تشكل عبر قرن من التطورات، وأن معالجة قضايا المنطقة يجب أن تتم عبر التفاهمات السياسية والحقوق المدنية ضمن الدول القائمة.

ويبقى تاريخ الكرد وكردستان جزءا من تاريخ الشرق الأوسط المعقد، حيث تتداخل فيه عوامل الهوية والثقافة والسياسة والحدود، وتستمر النقاشات حول أفضل السبل لضمان حقوق جميع شعوب ومكونات المنطقة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو من يتخلّى عن قضيته الوطنية والمصيرية، تحت أي ذريعة كانت، سواء أُطلق عليها اسم التكتيك أو السياسة أو الواقعية أو الحسابات المرحلية، لا يخسر موقفًا عابرًا فحسب، بل يغامر بمكانته في ذاكرة شعبه والتاريخ. فالتاريخ لا يحفظ أسماء الذين فرّطوا بالحقوق حين اشتدّت المحن، ولا يكرّم من جعلوا من التراجع فضيلة، ومن التنازل سياسة، ومن الصمت حكمة. قد…

م. عبدالباقي علي ما يجري اليوم في المناطق الكردية السورية ومحيطها لا يبدو، في رأيي، مجموعة أحداث منفصلة أو مجرد مصادفات متزامنة. هناك سلسلة من المؤشرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي توحي بأن مرحلة كاملة يجري إعادة ترتيبها، وأن الكثير من الأوراق التي استُخدمت خلال السنوات الماضية بدأت تفقد وظيفتها القديمة. هذه قراءة واستنتاج شخصي، وليست ادعاءً بوجود صفقة معلنة تجمع…

محمود أوسو الإيزيديون هم شعب كردي أصيل، موحدون يؤمنون بإله واحد. عاشوا آلاف السنين في جبال كردستان: شنكال، دهوك، الموصل، ديار بكر، عفرين. تاريخهم كتب بالدم، لأنهم دفعوا ثمن إيمانهم 74 مرة على الأقل. أغلب هذه الفرمانات جاءت باسم الدين الأسلامي في زمن الفتوحات عياض بن غنم وما بعدها مع وصول الجيوش الإسلامية إلى كردستان في عهد عمر بن الخطاب،…

د. محمود عباس من كوردستان في ذاكرة الطفل إلى كوردستان في عتمة السياسة طوال قرن كامل، جرّب الحراك الكوردستاني تقريبًا كل لغة سياسية ممكنة لإقناع الدول التي اقتسمت كوردستان بأن الشعب الكوردي ليس ضيفًا على أرضه، ولا أقل شأنًا من الشعوب التي أُنشئت لها دول وحدود وحكومات. تحدّث الكورد عن الأخوّة، والمواطنة، والوطنية المشتركة، والديمقراطية، واللامركزية، والفيدرالية، وتقاسم السلطة، وبناء…