شادي حاجي
تدخل سوريا مرحلة سياسية جديدة تتجه فيها الأنظار إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة إطار قانوني ينظم الحياة السياسية. ورغم غياب مؤشرات حاسمة بشأن شكل النظام السياسي المقبل أو قانون الأحزاب المرتقب، فإن السؤال الأهم يبقى: هل ستبادر القوى السياسية إلى تغيير نفسها، أم ستنتظر حتى تفرض عليها المتغيرات ذلك؟
تقف الأحزاب الكردية اليوم أمام فرصة تاريخية لمراجعة تجربتها وتجديد أدواتها. فالمشكلة لم تعد في وجود التعددية الحزبية بحد ذاتها، بل في تحولها إلى حالة من التشظي، حيث تتكاثر الأحزاب ذات البرامج المتشابهة، بينما تتكرر الانقسامات لأسباب تنظيمية وشخصية أكثر منها فكرية أو سياسية. وقد أضعف هذا الواقع ثقة الشارع وأفقد الحركة السياسية جزءاً من فاعليتها، في حين أن قوة أي حركة سياسية تقاس بقدرتها على بناء مؤسسات راسخة ورؤية مشتركة، لا بعدد أحزابها.
ومع إعادة تشكيل الحياة السياسية السورية، سواء عبر قانون جديد للأحزاب أو من خلال ترتيبات انتقالية مختلفة، فإن الأحزاب التي تبادر إلى التغيير ستكون الأقدر على التكيف والتأثير، بينما قد تجد القوى الجامدة نفسها خارج معادلات المرحلة الجديدة.
لكن التغيير لا يقتصر على دمج الأحزاب أو تحديث أنظمتها الداخلية، بل يتطلب أيضاً نهجاً سياسياً جديداً يفسح المجال أمام جيل شاب يمتلك أدوات العصر. فالشباب الكردي اليوم أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر إلماماً بالتكنولوجيا والإعلام واللغات، ولم تعد الفجوة المعرفية بينه وبين أقرانه في العالم كبيرة كما كانت في السابق. ومن ثم، فإن استقطاب هذه الطاقات لا يكون بالخطاب التقليدي، بل ببرامج عصرية وممارسة ديمقراطية حقيقية تمنحهم دوراً في صناعة القرار، فهم الأقدر على توظيف الأدوات الرقمية والإعلامية والقانونية والدبلوماسية لخدمة القضية الكردية وتعزيز حضورها إقليمياً ودولياً.
فالسياسة في عالم اليوم تقوم على التخطيط والمعرفة وحسن إدارة الأدوات، لا على انتظار الظروف أو التعويل على الحظ. لذلك، فإن بناء حركة سياسية أكثر فاعلية يبدأ بتجديد الفكر، وإفساح المجال أمام الكفاءات، والانتقال من الزعامة التقليدية إلى العمل المؤسسي.
إن أخطر ما قد تواجهه الحركة السياسية الكردية ليس صدور قانون جديد للأحزاب، بل دخولها سوريا الجديدة بعقلية قديمة. فالمستقبل لن يكون لمن يملك أكبر عدد من الأحزاب، بل لمن يملك رؤية أوضح، ومؤسسات أقوى، وقدرة أكبر على تمثيل الشعب والتفاعل مع متطلبات العصر. ومن هنا، فإن المبادرة إلى التغيير والتجديد لم تعد خياراً تنظيمياً، بل ضرورة سياسية لضمان بقاء الدور الكردي شريكاً فاعلاً في رسم مستقبل سوريا.
وإلى مستقبلٍ أفضل