القضية الكردية لن تحلّ بخطابات الكراهية

علي شمدين

إن المتابع للشأن السوري العام، والكردي منه على وجه الخصوص، يدرك بسهولة أن الوضع الداخلي في البلاد يسير نحو المجهول، بسبب تفرد الحكومة السورية المؤقتة بمفاصل الدولة وإدارة مؤسساتها الانتقالية، بعيداً عن المشاركة الحقيقية للمكونات الوطنية الأخرى، وبسبب تباطؤها في تنفيذ خطوات الدمج في المناطق الكردية، وتلكؤها في تنفيذ بنود الاتفاقيات الموقَّعة رسمياً بينها وبين قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ولا سيما اتفاقية 29 كانون الثاني/يناير 2026. وقد أدى ذلك إلى رفع منسوب القلق والخوف في المناطق الكردية، التي باتت إدارتها العسكرية المتمثلة بقسد، وإدارتها المدنية المتمثلة بالإدارة الذاتية، تنتظران الإعلان رسمياً عن حلّهما بعد استكمال عملية الدمج، التي لم تتضح حتى الآن الصيغة النهائية لشكل الإدارات الوطنية التي ينشدها الكرد في مناطقهم، والتي لا بدّ أن تأخذ الخصوصية الكردية بعين الاعتبار.

إن ركون الحكومة المؤقتة إلى الدعم الخارجي فقط، رغم أهميته، وإهمالها التام للقضايا الداخلية، وفي مقدمتها القضية الكردية، لن تقود البلاد إلى حيث يتمناه السوريون بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية، الذين خرجوا، قبل عقد ونصف، إلى الشوارع بصدور عارية وهم يطالبون بالحرية والكرامة. فقد يكون السوريون يتنفّسون اليوم، في ظل غياب نظام البعث الدموي، شيئاً من الحرية، لكن كرامتهم، مع الأسف الشديد، لا تزال ترزح تحت وطأة الفقر والجوع والحرمان من أبسط مقومات الحياة، من الماء والكهرباء وفرص العمل، فضلاً عن انتشار البطالة وغلاء الأسعار، وتفشي ظواهر الخطف والقتل والسرقة.

وفوق هذا وذاك، انفلتت من جديد المجاميع المسلحة، ونشطت فلول الجماعات الإرهابية المتطرفة، التي لم تنقطع صلاتها بالقوى الخارجية، وتعمل وفق أجنداتها علناً، ولا سيما فيما يتعلق بالقضية الكردية، فهي تترصد أيّ تطور أو تقدم، مهما كان بسيطاً، نحو منح الكرد حقوقهم المشروعة، لتسارع إلى تنظيم الهوسات والفزعات، وإيقاظ خلاياها النائمة لتعمل ضد الكرد، وتطلق بحقهم أقسى الاتهامات، إلى حدّ استباحة دمائهم، والدعوة إلى ترحيلهم ومنعهم من العودة إلى مناطقهم التي هُجّروا منها ظلماً قبل ما يقارب العقد من الزمن.   

إن قيام بعض المجاميع المسلحة الحاقدة، باسم العشائر العربية، مؤخراً،  بنصب (خيم الحرب)، وإعلانها في وضح النهار النفير العشائري ضدّ وجود الشعب الكردي في سوريا، والتهجم الوحشي على المهجّرين الكرد العائدين إلى بيوتهم في مدينة سري كانيي، يؤكد أن الأوضاع تسير نحو الأسوأ، ما لم تبادر الحكومة المؤقتة إلى الالتزام باتفاقياتها الموقعة مع قسد، والإيفاء بوعودها بإعادة المهجّرين إلى مناطقهم وبيوتهم معززين ومكرمين. ولا سيما مهجرّي سري كانيي، وكري سبي، وما تبقى من مهجّري عفرين.

 كما أن هذه الحكومة المؤقتة مطالبة، قانونياً وأخلاقياً، بلجم المجاميع الشوفينية المسلحة التي تدعو علناً إلى منع الكرد من المشاركة في إدارات الدولة ومؤسساتها، والمبادرة العاجلة إلى فتح حوار وطني جاد مع ممثلي الشعب الكردي الحقيقيين، وتحديداً مع الوفد الكردي المنبثق عن كونفرانس 26 نيسان/أبريل 2025، لمناقشة القضية الكردية باعتبارها قضية قومية ووطنية، وليست مجرد ملف إداري أو وظيفي. والتوصل، بإرادة وطنية واحدة، إلى رؤية مشتركة لحل القضية الكردية في سوريا، والعمل معاً على تثبيت هذا الحل في الدستور السوري الجديد.

فمثل هذه القضية الوطنية العادلة، التي تخص ثاني أكبر قومية في البلاد بعد القومية العربية، ويتمركز أبناؤها بصورة رئيسية في مناطقهم التاريخية في الجزيرة وكوباني وعفرين، ويُقدَّر حجمهم بما يزيد على (15%) من مجموع سكان البلاد، ولم يبخلوا في تقديم الغالي والنفيس من أجل استقلال وطنهم سوريا وازدهاره، لا يمكن حلها من خلال الترغيب، ومنح بعض المناصب والوظائف والمقاعد البرلمانية لجهات كردية دون غيرها، أو من خلال أساليب الترهيب والتخويف واستخدام القوة، وبث خطاب الكراهية والحقد والانتقام  من هذا المكون الأصيل.

الحقيقة هي أن هذه الأساليب أثبتت فشلها طوال عهد البعث البائد، ولم تأتِ بالنتيجة التي كان أصحابها يهدفون إليها، وهي إنهاء الوجود الكردي. فأصحاب هذه العقلية ذهبوا، وبقيت القضية الكردية محصَّنة بعدالتها وشرعيتها. ولهذا لا خيار أمام الجميع  إلا العمل معاً من أجل بناء سورية ديمقراطية، تعددية ولا مركزية، يضمن دستورها الجديد حقوق مكوّناتها من دون استثناء، ولا سيما حقوق الشعب الكردي

١٦ آب ٢٠٢٦

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماجد ع محمد وكأنك يا أبو زيد ما غزيت أن يدعم كل من حزب العدالة والتنمية الحاكم، بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، وحليفه حزب الحركة القومية الذي يرأسه دولت بهجلي، القانون الجديد الذي أقره البرلمان التركي مساء الاثنين 10 آب (أغسطس)، فيما يتعلق بنظم نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وحلّه وإعادة دمج عدد من أعضائه في المجتمع التركي، هو شيء…

تصريح يتابع المكتب القانوني للمجلس الوطني الكردي في سوريا بقلق ما تنشره مواقع و شخصيات إعلامية تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) و التي تهدد أعضاء المكتب و الهيئة القانونية بشكل متكرر. حيث تعرض المحامي “رضوان سيدو” المنسق العام للمكتب القانوني للمجلس الوطني الكردي و عضو مجلس الشعب السوري للتهديد بالقتل والذم والقدح والشتم من قبل أحد قياديي (PYD) وقد سبق…

خالد السينو Khaled Al Sino يا اخي نحن الكرد السوريين مبدعين في كل شيء، ومنها طبعا «التكويع» السياسي تخيل شخصا بنى نفسه سياسيا وحزبيا وتنظيميا على مدى عقود، وكان صورته السياسية قائما كليا على مهاجمة الحزب الديمقراطي الكردستاني – العراق، واعتباره حزبا عشائريا ورجعيا، وإلصاق كل الصفات…

راجآل محمد Rajal Muhammed في روايته “السديم والأختام”، قدّم سليم بركات تشريحًا دقيقًا للوعي الكردي، وخاصة الطبقة السياسية منه، حين قال: “نشأ الكرد على حيلة الظاهر وحده، بلا تورية، فيتصبب الواحد منهم من مسامه الطيش والتهور ومنازعة الأرض على كونها أرضًا والسماء على كونها سماءً”. وهذا التشخيص يتجلى بوضوح اليوم فيما آلت إليه الأمور في (روج آفا)، حيث راهنت قيادة…