حسن قاسم
في حضرة المدن المنسية، أقف طويلًا أمام أسماءٍ ليست مجرد أسماء على خارطة، بل ذاكرة عمرٍ كامل، ومرابع صبا، وأمكنة لقاء العاشقين، ووجوه أناسٍ تركوا في القلب ما لا تمحوه المسافات.
قامشلو، عامودا، درباسية، تربه سبي، ديركا حمكو…
أسماءٌ كلما نطقتُ بها، شعرتُ أن شيئًا مني ما زال هناك، بين أزقتها وشوارعها وبيوتها المتواضعة، حيث كانت الحياة أكثر بساطة، والقلوب أكثر دفئًا، والضحكة أكثر صدقًا.
مدنٌ احتضنت الغريب قبل القريب، وفتحت أبوابها للملهوف، وأغاثت المحتاج، وقضت حاجة من طرق أبوابها. مدنٌ ربما تربعت طويلًا في ذيول الخرائط المهمشة، لكنها لم تكن يومًا هامشًا في حياة أهلها؛ كانت الوطن بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
غير أن الحزن، خلال أربعة عشر عامًا عجافًا، أرخى سدوله الثقيلة عليها. أربعة عشر عامًا مرت كأنها دهر، قاسية على أهلها، وعلى أولئك الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، ومضوا في معاركهم دفاعًا عن الحرية والكرامة، في مواجهة أعداء الإنسانية.
خلفت تلك السنوات أمهاتٍ ثكلى فقدن أبناءهن، وآباءً مفجوعين بفلذات أكبادهم، وشبابًا غادروا الحياة قبل أوانها، وهم يحلمون بيومٍ يرون فيه مدنهم أكثر أمنًا وحرية وكرامة.
وفي كل زاوية، وجوهٌ كالحة أنهكها الانتظار، وأرواحٌ أثقلتها الخيبات، حتى باتت الابتسامة الصادقة عملةً نادرة في زمنٍ كثر فيه الألم.
ولعل أكثر ما يؤلم في المشهد، ليس حجم التضحيات وحده، بل حالة الضعف والتشتت التي أصابت اللوحة السياسية، وغياب شخصية قادرة على جمع المختلفين، وقيادة المرحلة نحو مشروعٍ وطني واضح، يفتح الطريق أمام بلدٍ آمن ومستقر، ويصون لأهله حقهم في حياة مدنية كريمة وثقافةٍ تقوم على التعايش والحرية واحترام الإنسان.
ومع ذلك…
رغم كل شيء، لم يفقد أهل هذه المدن الأمل.
فالأمل هنا ليس ترفًا، بل مقاومة أخرى.
هو ذلك الخيط الرفيع الذي يتمسك به الإنسان حين تضيق به الدنيا، ويقول رغم كل الخسارات: سيأتي يومٌ تستعيد فيه مدننا ألقها.
سيأتي يومٌ تعود فيه الأمهات إلى ابتسامتهن، ويشعر الآباء أن تضحيات أبنائهم لم تذهب سدى، ويعود الأطفال إلى شوارعٍ لا يعرفون فيها سوى الفرح، وتستعيد المدن لونها الذي سرقه الحزن.
سأغادر، لكنني لا أودع المكان.
فالمدن التي تسكن الذاكرة لا تُغادر، والأوطان التي تسكن القلب لا تنأى عنها المسافات.
استودعكم الله، أيها الأحبة، وأنا أستكمل تغريبتي، أحمل معي شيئًا من ترابكم، ودفء وجوهكم، وحكايات شوارعكم، وأصواتًا ما زالت تسكن الذاكرة.
أستودعكم الله على أمل اللقاء…
على أمل أن أعود يومًا، فأجد قامشلو وعامودا ودرباسية وتربه سبي وديركا حمكو كما أحببناها؛
مدنًا تنفض عنها غبار الحزن، وتفتح أبوابها للحياة، وتستعيد ضحكتها، وألقها، وكرامتها.
إلى اللقاء…
فبعض الوداع ليس نهاية، بل وعدٌ بالعودة.