سري كانيه.. حين يصبح حق العودة امتحاناً للدولة السورية ؟

أكرم حسين

بعد سبعة أعوام قضاها المهجّرون في منفاهم القسري، يعود أهالي سري كانيه إلى مدينتهم حاملين حقاً انتظروه طويلاً . لكن هذه العودة، التي كان يُفترض أن تكون خطوة نحو طيّ صفحة الحرب وفتح مسار للمصالحة، جاءت في سياق هشّ، تداخلت فيه مخاوف الأمن مع تعقيدات الملكية والسكن، وأعادت طرح أسئلة جوهرية ظلت تؤرّق السوريين طوال سنوات النزاع: من يملك حق العودة؟ وكيف تستعاد الحقوق من دون إنتاج مظالم جديدة؟ وما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الدولة في إدارة هذا النوع من النزاعات؟

هذه الأسئلة لا تتصل بسري كانيه وحدها، بل تختزل جانباً أساسياً من المعضلة السورية برمتها. فانتهاء العمليات العسكرية لا يعني انتهاء الحرب بمعناها الأوسع، ما لم تترافق مع معالجة آثارها الاجتماعية والقانونية والإنسانية. فالسلام الحقيقي لا يُقاس إلا بقدرة الدولة على إعادة الحقوق، وتأمين الحماية، وترميم الثقة بين المواطنين، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة آمنة وكريمة.

من المهم التأكيد بوضوح شديد على أن عودة أهالي سري كانيه أوغيرهم ليست منّة من جهة سياسية، ولا امتيازاً تمنحه سلطة أو جماعة، بل هي حق أصيل لكل إنسان أُجبر على مغادرة منزله بسبب الحرب أو العنف. فالحقوق المرتبطة بالملكية والسكن والانتماء إلى المكان لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن أن تصبح الحرب وسيلة لإعادة تعريف أصحاب الأرض والحقوق . لكن في المقابل، هناك قاطن جديد استقر في المنطقة خلال سنوات الحرب، يخشى أن يتحول بدوره إلى ضحية اقتلاع جديد ، وبين هذين الحقين المتشابكين، تصبح الحاجة إلى الدولة القادرة على حماية الجميع أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ان معالجة ملف الممتلكات والسكن لا يمكن أن تُترك لمنطق الغلبة أو ميزان القوة. فإذا كان بعض الذين استقروا في سري كانيه يرفضون اليوم إخلاء الممتلكات أو تسليمها إلى أصحابها الأصليين، فإن هذه القضية لا يجوز أن تُحسم بالسلاح أو عبر النفوذ العشائري أو الفصائلي. لانها قضية حقوق ومظالم ذات طبيعة قانونية، و دودولا يمكن الفصل فيها إلا من خلال مؤسسات الدولة والقضاء المختص. فلا ينبغي أن يحلّ سلاح العشيرة محل المحكمة، ولا تجمعات الشارع محل القانون.

من هنا تتحدد المسؤولية الأساسية للدولة: أن تضع إطاراً قانونياً واضحاً لمعالجة قضايا الملكية والسكن والتعويض، وأن تضمن لكل طرف حقه في التقاضي والدفاع، وأن تحول دون استخدام القوة لفرض الوقائع الجديدة. فالدولة، في جوهرها، لا تتمثل في قدرتها على فرض النظام بالقوة فقط، وإنما في قدرتها على تحويل النزاع من علاقة مباشرة بين المتخاصمين إلى قضية تُدار وفق القانون والمؤسسات. وبقدر ما تنجح الدولة في ذلك، تستطيع أن تمنع تحوّل حق العودة إلى مصدر صراع جديد، وتجعله مدخلاً لاستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

غير أن فهم المشهد لا يكتمل من دون التوقف عند الغضب الذي أثارته التطورات الأخيرة في أوساط الكرد في الحسكة والقامشلي وكوباني ، لا سيما في ظل الشعور بأن قضية سري كانيه لم تُعالج بما يكفي من الجدية والعدالة. وهذا الغضب، في سياقه السياسي والاجتماعي، قابل للفهم بعد سنوات طويلة من النزوح والقلق وانعدام اليقين. لكن تفهم أسبابه لا يعني تبرير الفوضى أو الاعتداء على مراكز الأمن العام أو استهداف مؤسسات الدولة أو إنزال العلم السوري؛ فمثل هذه الأفعال لا تخدم قضية العائدين، ولا تعزّز الحقوق الكردية، وإنما تزيد التوتّر وتضعف الدولة.

في المقابل، رفض الفوضى ينبغي ألّا يتحول إلى ذريعة لخطاب مضاد يقوم على التهديد أو التخويف أو التحريض ضد الكرد أو أي مكوّن سوري آخر. فالتهديد بالإبادة أو الانتقام الجماعي ليس مقبولاً، ولا يمكن أن يكون جزءاً من بناء الدولة، بل هو إعادة إنتاج للمنطق ذاته الذي دفع سوريا إلى دوامة العنف والانقسام.

وهنا نصل إلى الجذر الأعمق للمشكلة السورية: غياب الدولة أو ضعفها يفتح المجال باستمرار أمام الجماعة كي تحل محل المؤسسة، والسلاح محل القانون. وفي ظل الفراغ، تتحول العشيرة في بعض المناطق إلى سلطة أمنية، والحزب إلى بديل عن مؤسسات الدولة، والسلاح إلى وسيلة للفصل في النزاعات. لكن استمرار هذه المعادلة يعني، في جوهره، استمرار غياب الدولة نفسها. فالدولة الحقيقية لا تُقاس فقط بوجود مؤسسات، وإنما بقدرتها على إثبات مبدأ أساسي: لا أحد فوق القانون، ولا أحد خارج حمايته.

ما يجري في سري كانيه ينبغي ألّا يُقرأ    باعتباره صراعاً عربياً-كردياً، لأن اختزال القضية في هذا الإطار لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإخفاء جوهر المشكلة. التي في أساسها، اختبار لقدرة الدولة السورية على إدارة إرث الحرب بالعدالة، والتعامل مع ملف العودة بوصفه قضية حقوق ومواطنة. فالقانون ينبغي أن يحمي حق صاحب المنزل في استعادة ملكيته، وأن ينظر في وضع القاطن الجديد، وأن يوفر آليات للتعويض أو التسوية حيثما تقتضي الضرورة، وأن يحيل النزاعات إلى القضاء بدلاً من ترك المواطنين وجهاً لوجه أمام خصومهم أو السماح للجماعات المسلحة والعشائرية بحسمها وفق موازين القوة.

وإذا كانت سري كانيه تمثل إحدى أكثر صور النزوح والعودة تعقيداً، فإن المبدأ نفسه لا يمكن أن يظل محصوراً فيها. فإذا كان من حق أهالي سري كانيه العودة إلى مدينتهم واستعادة حقوقهم، فإن الحق ذاته ينبغي أن يكون مكفولاً لأهالي الغوطة وحمص والحسكة وحلب ودير الزور والرقة وإدلب والساحل، ولكل سوري اضطرته الحرب إلى مغادرة منزله. لأن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية.

ومن هنا تتحدد مسؤولية الدولة السورية في هذه المرحلة بصورة أكثر وضوحاً: حماية عودة المهجّرين، وصون الممتلكات، وضبط السلاح، وحماية مؤسسات الدولة، ومحاسبة المعتدين أياً كانت هويتهم، ومنع خطاب الكراهية والتحريض، وإرساء آليات قانونية شفافة لمعالجة النزاعات الناجمة عن الحرب. والأهم من ذلك كله أن تثبت الدولة، بالممارسة، أنها دولة لجميع مواطنيها، وأن القانون يحمي العربي والكردي والسرياني والآشوري والتركماني وسواهم بالقدر نفسه، وأن الحقوق لا تتغير بتغير الهوية أو الانتماء السياسي أو القومي.

لقد أنهكت الحرب السورية الجميع، ولم يعد السوريون بحاجة إلى انتصار جماعة على جماعة، ولا إلى إعادة توزيع الضحايا بين قوميات ومناطق وهويات. ما يحتاجونه هو انتقال حقيقي من منطق الجماعة إلى منطق الدولة، ومن منطق الخوف المتبادل إلى مفهوم المواطنة المتساوية. فالخروج من آثار الحرب لا يتحقق بإعادة إنتاج أدواتها، وإنما بتفكيك البنية التي جعلت العنف بديلاً عن المؤسسات.

وهكذا، تضع سري كانيه الدولة السورية أمام امتحان يتجاوز حدود المدينة نفسها؛ إنه امتحان لقدرتها على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وتحويل حق العودة إلى مدخل لاستعادة الحقوق وبناء السلام. فإما أن تنجح الدولة في حماية هذا الحق، وصون الملكية، وضبط الأمن، وإخضاع الجميع للقانون، ومحاسبة المعتدي أياً كان انتماؤه، وإما أن تترك المجال مجدداً للمنطق الذي قاد البلاد إلى سنوات طويلة من العنف والتهجير والانقسام.

الخلاص السوري لن يأتي من انتصار العشيرة على الدولة، ولا من انتصار السلاح على القانون، ولا من انتصار قومية على أخرى، وإنما من قيام دولة واحدة تحتكر سلطة القانون، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق، وعدالة لا تميّز بين الضحايا، ومواطنة تتسع لجميع السوريين ، وعندها فقط يمكن أن تصبح عودة أهالي سري كانيه بدايةً لعودة أوسع إلى فكرة الدولة نفسها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماجدة بوعزة بين نزع سلاح حزب العمال وحسابات أردوغان للبقاء في السلطة، يفتح القانون الجديد باب السلام في تركيا، لكنه يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الأكراد. فما تفاصيله؟ يُعدّ قانون نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ومنح عفو جزئي للسجناء خطوة تاريخية، لكنه لا يُلبي المطالب الكردية الأساسية. ومن المرجح أن يكون لدى الرئيس أردوغان أهداف أخرى. تحول في الخطاب القومي

الياس رمو إقرار حل القضية الكردية في تركيا. انتصار لقضية الحق والعدل في تركيا . أنا راهنت على ذلك منذ عقود قناعة مني بان الحل هو قدر تركيا وليس خيارها . دور اوجلان في إنجاز هذا التغيير الدستوري محمود ويستحق التقدير لانه حرر اكراد تركيا من سيطرة جماعة قنديل عبر حل حزب العمال الكردستاني . نشاركً شعبنا الكردي في تركيا…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* وصف خميني الحرب الخارجية بـ «المقدسة» لتصدير فكره الرجعي تحت اسم «الثورة الإسلامية» إلى بلدان أخرى. وبعد أن سيطر على إيران، قام بقمع معارضي الحكم في الداخل بسرعة من خلال إشعال «حرب خارجية»، متهما إياهم بـ «الخيانة» و«الطابور الخامس». ومن خلال الخداع والدجل، قام بدمج «الشعب» و«الحكومة» معا، وأسقط موضوع «حقوق الإنسان» من الأساس! في الخطوة التالية،…

حسن صالح شعبنا الكردي في غربي كردستان شعب عريق يعيش على أرضه التاريخية ،و قد ألحق هذا الجزء الكردستاني بسوريا التي نشأت بعد إتفاقية سايكس بيكو . وعندما تأسس أول حزب كردستاني في سوريا عام ١٩٥٧، طرح القضية بجرأة وتعرض مناضلوه للملاحقة والإعتقال، لكنهم تمسكوا بقدسية الحقوق القومية ولم يتراجعوا عنها. ورغم سياسة التمييز العنصري والتجريد من الجنسية ، وتنفيذ…