شكري بكر
إذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن كوردستان قسمت في مرحلة أولى إلى قسمين: قسم خضع للإمبراطورية الصفوية، وقسم آخر خضع للإمبراطورية العثمانية، وقد ترسخ هذا التقسيم بموجب معاهدة قصر شيرين عام 1639.
ثم جاء الاستعمار الأوروبي ليعمق هذا الواقع، فقسمت كوردستان إلى أربعة أجزاء؛ إذ بقي الجزء الذي كان خاضعا للصفويين ضمن الدولة الإيرانية، بينما قسم الجزء الذي كان خاضعا للإمبراطورية العثمانية بين تركيا والعراق وسوريا، مع بقاء الجزء الأكبر منه تحت سيطرة الدولة التركية الحديثة.
هذا ما فعله أعداء الكرد بجغرافية كوردستان.
لكن في المقابل، ماذا فعل الكرد بأنفسهم؟
لقد قسم أعداء الكرد جغرافية وطنهم، أما نحن الكرد فقد أسهمنا، مع الأسف، في تعميق الانقسام السياسي والحزبي والتنظيمي. ولعل أوضح مثال على ذلك ما جرى في أصغر أجزاء كوردستان، الذي ألحق بالدولة السورية.
فقد حولنا الحزب الواحد إلى عشرات الأحزاب والتنظيمات، حتى تجاوز عدد الأحزاب الكردية في سوريا، بحسب بعض التقديرات، مئة حزب.
بدأ الانقسام منذ النواة الأولى لأول تنظيم سياسي كردي في سوريا، حين انقسم الحزب بين تيارين: اليسار واليمين. ثم انقسم التيار اليساري إلى تيارات يسارية متعددة، وانقسم التيار اليميني بدوره إلى تيارات يمينية عديدة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تفرع كل تيار إلى تيارات وتنظيمات جديدة.
كما انقسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا «الپارتي»، بعد مرحلتي القيادة المرحلية والقيادة المؤقتة بقيادة الراحل دهام ميرو، إلى عدة تيارات حملت اسم الپارتي، ثم انقسم كل تيار منها إلى تيارات وتنظيمات أخرى.
وكذلك انقسم الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا «يكيتي» إلى عدة تيارات يكيتية، ثم تفرع كل تيار منها إلى تيارات وأحزاب جديدة.
وبذلك تجاوز عدد الأحزاب والتنظيمات الكردية في سوريا المئة، أو اقترب من هذا العدد.
لكن هل نعرف أين تكمن المأساة الحقيقية؟
تكمن المأساة في أن معظم هذه الأحزاب والتنظيمات ينسب تاريخه السياسي إلى النواة الأولى التي أعلن عنها عام 1957، ويعتبر نفسه امتدادا لأول حزب كردي في سوريا.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
من هو الوريث الشرعي والسياسي والتنظيمي للنواة الأولى، أي للحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا؟
إن الوريث الحقيقي هو من استعاد الاسم الأصلي، والتزم برنامجه السياسي والتنظيمي، وحافظ على نهجه القومي الكردستاني، نهج الكردايتي الذي أرسى أسسه الخالد الملا مصطفى البارزاني، أحد أبرز صناع التاريخ الكردستاني الحديث.
لقد آن الأوان لأن نعيد النظر في سياساتنا وممارساتنا الحزبية، وأن نتجاوز الانقسامات والصراعات التنظيمية الضيقة. فالتحولات المتسارعة التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط تفرض علينا قراءة جديدة للواقع، وتستلزم توحيد الرؤية والقرار، وتغليب المصلحة القومية العليا على المصالح الحزبية والشخصية.
فالشعب الذي قسم أعداؤه جغرافيته، لا يجوز له أن يستمر في تقسيم إرادته السياسية بيد أبنائه.