صديق ملا
إنّ ما جرى في الأيام الماضية وبالتحديد في أرياف الحسكة والقامشلي الجنوبي ليس حركة عشائرية نابعة من وجع الناس.، ولا من قساوة المعيشة التي يعانونها ولا من قلة الخدمات المتردية في المحافظة ، بل هي ((حلبة فتنة)) قادتها أدوات مرتهنة للخارج وأجنحة ٍمتصارعة ٍفي الداخل تسعى لتوظيف آلام الأهالي.
وتبقى الحقيقة الثابتة وهي :
أن أبناء المنطقة والسكان الأصـ.ـليين هم الضحـ.ـية الأولى والوحيدة لهذه اللعبة القذرة والخبيثة ، وكذلك فإن سورية بكامل مكوّناتها هي الخاسر الأكبر ما لم يتم إعلاء صوت العقل والحكمة والتبصر وكشف أهداف هؤلاء المحرِّضين وقطع الطريق على مروِّجي هذه الفتنة الخبيثة، وما يرافق ذلك من تصريحات عنصرية تحريضية تستهدف الكرد ، فضلاً عن بعض الخطابات التي ترّوج لها وسائل الإعلام العربية وصفحات التواصل الاجتماعي يمثل ظاهرة خطيرة تهدد السلم الأهلي والإستقرار.
و الأخطر من ذلك أن الخطاب الشوفيني لم يعد يختبىء خلف الشعارات، بل أصبح يُمارس في وضح النهار ويعاد إنتاجه سياسياً وإعلامياً واجتماعياً وكأن البلاد لم تتعلم شيئاً من سنوات الحرب ، فبدلاً من أن تُقام خيام ٌ للحوار والمصالحة الوطنية تُقام خيام ٌللتحريض والتجييش وخطاب الكراهية والأحقاد وإلغاء الآخر.
فالمسؤولية كلُّ المسؤولية تقع على عاتق الحكومة السورية المؤقتة في دمشق والتي يجب أن تكون صاحبة القرار والسيادة وعليها تقع مسؤولية حصر السلاح بيد الدولة وسحبها من جميع الجهات دون استثناء، ومحاسبة كل من يحرِّض على الكراهية والعنف والعنصرية أياً يكن انتماؤه.
كما وأن التحركات التي جرت في محافظة الحسكة ونصب الخيام لحشد بعض العشائر ورفع شعارات تدعو إلى قتال الكرد، وتقف خلفها جهات خارجية ينبغي أن لا نقرأها بوصفها نشاطاً إجتماعياً بريئاً بمعزل عن سياقها الأمني، ولا يجوز الخلط بين العشائر العربية الأصيلة وبين عناصر داعش ومرتزقة تركيا والتي تحاول جاهدة الإختباء خلف أسمائها.
فالعشائر مكوّن ٌ أساسي من نسيج المنطقة ، أما استغلالها كوقود للتحريض والإنتقام فهو مشروع فتنة تستفيد منه القوى الظلامية والتكفيرية المتطرفة ومن يديرها إقليمياً.
إن رفع الخطاب التصعيدي والتلويح بالمواجهة المسلحة قد يحقق مكاسب سياسية قصيرة الأمد لبعض الأطراف، لكنه في المقابل يهدد بفتح جراح جديدة بين مكونات عاشت لعقود في الجغرافيا نفسها من (عرب وكرد وسريان وووو غيرها) والتاريخ أثبت ويثبت أن أي صراع ٍ داخلي لا يخرج منه منتصر ٌ حقيقي، بل يدفع المدنيون الأبرياء الثمن الأكبر، كما أن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع ٍ قومي يفاقم حالة الإستقطاب ويمنح القوى الخارجية مساحة أوسع للتدخل واستثمار الإنقسامات المحلية، لذلك فإن معالجة مثل هكذا أمور وخلافات يجب أن تكون عبر طاولات الحوار وليس عبر التصعيد العسكري وحشد الناس في (( خيام الحرب؟؟؟!!!)) والخطابات التي تزيد من حالات الإحتقان والكراهية.
إن صون سيادة سورية لا يتأتى من سيادتها على أراضيها فقط ، بل يتأتى من وحدة شعبها واستقراره وطمأنينته، وفي المقابل تتحمل النخب السياسية المعارضة أيضاً بعضاً من المسؤولية ، إذ نلاحظ ضعف إمكاناتها وافتقادها لوزن سياسي وإجتماعي.
ولعل ما يلزم الشعب السوري في هذه الأيام العصيبة هو الحوار وإحترام الإختلاف، وحل التباينات واعتبار تعدد وجهات النظر أمراً طبيعياً ومشروعاً.
حيث لا تزال المرحلة الإنتقالية في سورية تواجه تحديات سياسية عميقة وسط دعوات إلى تجاوز إرث الإستبداد والحرب عبر بناء مؤسسات قوية، وترسيخ مبدأ المواطنة والحوار الشامل.، واحترام التعددية والإستجابة للأولويات المعيشية والأمنية للسوريين وإعادة بناء الدولة ينعم فيها أبناءها بالحرية والأمن والأمان.
و ختاماً :
فإن مسؤولية هذه الأعمال الخارجة عن القانون والجماعات المنفلتة تقع بالدرجة الأولى على عاتق الحكومة السورية المؤقتة في دمشق أولاً وأخيراً ، وعلى عاتق كل من يريد الخير بسورية الجديدة وأخص بالذكر الشرفاء من الإخوة العرب ومثقفيهم وكتّابهم أن يقفوا في وجه هذه الشريحة المأجورة والتي لا تريد الخير والسلام والطمأنينة لسورية المنشودة بكافة مكوناتها والأهم من هذا وذاك هو أن جميع مشاكلنا وخلافاتنا تُحل تحت قبة البرلمان باعتبارها مصدر الشرعية الأول كباقي دول العالم وليس في أي مكان آخر.
Sedîq Mella
28/7/2026 Deutschland