تشهد الساحة السياسية الكردية السورية حالياً واحداً من أعنف السجالات الفكرية والسياسية، المتمحورة حول شخصية الدكتور عبد الحكيم بشار، القيادي التاريخي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وأول رئيس للمجلس الوطني الكردي. فالباحث في مسيرته يراه سياسياً أمضى عقوداً في خندق المعارضة الراديكالية ومطالباً بالفيدرالية من عواصم الاغتراب الأوروبية والإقليمية، لينتهي به المطاف اليوم جالساً تحت قبة مجلس الشعب في دمشق. هذا التحول الحاد فتح الباب على مصراعيه أمام اتهامات شعبية قاسية له بتنكره للحس القومي، وتحوله إلى نسخة مشوهة من الكرد اللاقوميين الذين يفرغون القضية من محتواها التاريخي.ولم تكن طريق عبد الحكيم بشار إلى برلمان دمشق معبدة بأصوات الناخبين في القامشلي أو كوباني، بل جاء دخوله إليه عبر آلية التعيين المباشر ضمن قائمة المعينين التابعة لرئيس حكومة تسيير الأعمال الانتقالية، أحمد الشرع. هذه الخطوة شكلت الصدمة الأولى لحاضنته الاجتماعية التي رأت في قبول مقعد “محجوز” مكافأة سياسية مجانية وتكريساً لتبعية الرموز الكردية للمركز، بدلاً من انتزاع تمثيل حقيقي عبر تفويض شعبي صلب وصناديق اقتراع مستقلة. وقد زاد الاستياء الشعبي بعد صعوده إلى منصة البرلمان مستعرضاً سيرته الذاتية وكفاحه الشخصي، وهو ما اعتبره معارضوه استجداءً علنياً للشرعية من سلطة لم تقدم بعد أي اعتراف دستوري صلب بالحقوق القومية.
ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير في علاقته بحاضنته، متمثلةً في موقفه الصادم من تدريس اللغة الكردية. ففي محاولة منه لتبني مقاربة براغماتية ترضي المركز، قدم مقترحاً لوزارة التربية بدمشق يقضي بفصل التعليم، بحيث تُحصر اللغة الكردية في المواد الأدبية والإنسانية للحفاظ على الهوية الثقافية، بينما تُدرّس المواد العلمية كالرياضيات والفيزياء باللغتين العربية أو الإنجليزية بدعوى حماية المستقبل الأكاديمي للطلاب. هذا الطرح قوبل بانتفاضة عارمة من النخب الثقافية التي اعتبرت تبريراته تكريساً لـ “دونية لغوية” واعترافاً مبطناً بعجز لغته الأم عن استيعاب العلوم الحديثة. وسرعان ما عقد الشارع مقارنات حارقة مع مكونات سورية أصغر حجماً كالسريان والتركمان الذين يدرسون كافة علومهم بلغتها الأم، متسائلين كيف لسياسي كردي أن يتنازل عن هذا الحق، ويقبل بالالتفاف على المناهج الشاملة المكتوبة بالحرف اللاتيني وفق إرث الأمير جلادت بدرخان، والتي فُرضت بقوة الأمر الواقع وعُمّدت بتضحيات هائلة طوال العقد الماضي.
خلف هذا الخلاف التعليمي والبرلماني، يكمن تحول أعمق في الخطاب السياسي لعبد الحكيم بشار، حيث يلاحظ المراقبون اختفاء مصطلحات تاريخية صلبة مثل “الشعب الكردي” أو “الحق القومي في تقرير المصير” من أدبياته، واستبدالها بعبارات فضفاضة تُرضي دمشق مثل “المكون الكردي”، “النسيج السوري”، و”السلم الأهلي”. بالنسبة للتيار القومي الكردي، فإن هذا التبدل اللغوي ليس مجرد مرونة سياسية، بل هو تبنٍّ كامل لأجندة تمييع تُحجم القضية من قضية شعب وأرض وتاريخ إلى مجرد مسألة أقلية ثقافية تبحث عن حصص إدارية ووظائف سيادية صورية داخل المركز بدمشق، مثل سعيه الحثيث وترشحه الفاشل لمنصب نائب رئيس مجلس الشعب.
في المقابل، يرفض المقربون من بشار وتياره في المجلس الوطني الكردي هذه الأحكام الإقصائية، ويرون أن ما يمارسه ليس لاقومية بل واقعية سياسية شجاعة تدرك أن زمن الشعارات الراديكالية الكبرى قد انتهى مع تشكّل ملامح سوريا الجديدة. ومن منظورهم، فإن الانكفاء بعيداً عن العاصمة والاعتماد على تفاهمات عسكرية وإدارية مؤقتة مع الإدارة الذاتية لن يحمي حقوق الكرد على المدى الطويل. بناءً عليه، فإن التواجد داخل مؤسسات الدولة هو الطريق العملي الوحيد لانتزاع ملفات حيوية ومستدامة مثل المواطنة الكاملة، إعادة الملكيات العقارية، وتثبيت الحقوق الثقافية في الدستور الجديد بعيداً عن شبح الصدام العسكري.
وفي المحصلة، يعيش عبد الحكيم بشار اليوم في عزلة شعبية خانقة داخل مناطق شرق الفرات. فالهوة بينه وبين الشارع ليست مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هي شرخ بين مقياسين: شارع يقيس السياسة بثبات المبدأ واستقلالية الموقف ويرى في التنازل عن المناهج والاعتراف بالمركز تفريطاً بالهوية، وسياسي يقيسها بالمناورة البراغماتية وحجز مقعد في قطار التسوية بدمشق مهما كان الثمن المعنوي والشعبي. ومن هنا، سيبقى بشار في نظر الأغلبية الكردية نموذجاً للمسؤول الذي اشترى المنصب في العاصمة وباع الحاضنة القومية في الجزيرة.