صلاح بدرالدين
قامت الحركة القومية لكرد سوريا في بدايات انبثاقها قبل نحو قرن، شأنها شأن كل الحركات القومية بالمنطقة، على تجاذبات التجريبية، والاختلاف حول الأهداف والوسائل، واجتهادات لم تكن بالضرورة متشابهة بحسب رؤا، ومصالح أفراد ينتمون بالنهاية الى خلفيات، وفئات اجتماعية، ومشارب متباينة، ثم التوافق على مشتركات لم تكن دائمة، ولم تعتبر هذه الديناميكية التي افرزت أطر، وتنظيمات، ومجموعات، وكسرت الجمود ظاهرة سلبية، بل كانت منطلقا للتطوير، واكتشاف الأفضل.
انعكس هذا الواقع على حركة – خويبون – التي كانت عرضة للتأثير الخارجي (سلطة الانتداب الفرنسي، وحزب الطاشناك الأرمني، والضغوطات التركية) والخلاف – الصامت – الحاصل بين القطبين الرئيسيين آنذاك وهما عائلتا كل من (بدرخان، وجميل باشا) ذات الخلفية القومية التاريخية، كما كان االاختلاف بوجهات النظر متأصلا في صفوف التنظيم الحزبي الأول عام ١٩٥٧ بين تيار قومي كردستاني متشدد، وآخر أقرب الى الوطنية السورية، إضافة الى تناقضات بين مفاهيم المدينة والريف.
وانفجرت تلك الخلافات، والاختلافات، والتمايزات علنا بعد تجربة الاعتقالات الأولى لقادة الحزب بداية ستينات القرن المنصرم التي شكلت المحك، ومعظمهم من المؤسسين الأوائل، ولأن تلك االتباينات لم تحسم، ولم تنشر قضايا الخلاف كوثائق لتوعية القاعدة الحزبية، والجمهور الوطني الواسع، انتقل الحزب من مرحلة الصعود، الى التراجع والجمود التنظيمي، وتوسعت ظاهرة التكتلات ذات الصبغة المحلية، والمناطقية.
حيث وجدت تيارات – انتهازية – ان الفرصة سانحة لتحقيق مآربها في تحويل الحزب من وسيلة نضالية ثورية هدفها تحقيق إرادة الكرد في تقرير مصيره في سوريا ديموقراطية موحدة، الى (جمعية ثقافية) موالية للسلطات الشوفينية الحاكمة، وفي تلك الأجواء المشحونة، بالفراغ، والقلق، وانتشار الشائعات، لم تقف السلطة متفرجة – محايدة – بل فعلت فعلها في تعميق الخلاف، ودعم الأقرب لها، واختراق الصفوف.
اليسار المنقذ
لأول مرة في تاريخ الحركة الكردية السورية وتنظيمها الحزبي الأول، تبادر القاعدة التنظيمية في مختلف المناطق الخاضعة للنفوذ الحزبي الى محاولة الإنقاذ بصورة شرعية تحت راية اليسار القومي، من دون حضور ومشاركة أي قيادي، وبمعزل عن رموز الخلاف والصراع.
وكان هدف مجموعة (الثلاثة والثلاثون) مندوبا عن القاعدة الذين شاركوا في الكونفرانس الخامس بتاريخ الخامس من آب ١٩٦٥، المنعقد بقرية – جمعاية – الأول انقاذ الحزب، والحفاظ على وجوده، ووحدته، واستمراريته.
والدليل الموضوعي على مانقول هو قرار استمرارية – القيادة المرحلية – المنتخبة لمدة عام، والتحضير للمؤتمر العام، والتواصل مع جميع أعضاء القيادة – قبل الكونفرانس – من دون تمييز، ودعوتهم لاستلام مهامهم، ومواقعهم حتى المؤتمر الذي له الكلمة الفصل.
واستجاب البعض، وتردد البعض الاخر، والتزمت القيادة المرحلية للبارتي اليساري بوعدها، وانعقد المؤتمر العام في الهلالية بآب ١٩٦٦.
قضايا الخلاف التي كشف عنها اليسار وتصدى لها
تضمن التقرير العام الذي قدمته اللجنة التحضيرية الى أعضاء الكونفرانس الخامس، تقييما تاريخيا نقديا للفترة الممتدة بين التأسيس حتى تاريخه، بمافيها الغموض الذي اكتنف مسألة تغيير اسم الحزب وبنود من برنامجه من دون مؤتمر او اجتماع موسع كما تنص عليه مواد النظام الداخلي، وعدم ابلاغ القاعدة الحزبية بالاسباب والنتائج المترتبة، وكذلك الافتقار الى وثائق حول الخلافات وسبل حلها.
كما احتوى التقرير على قراءة معمقة للوضع في سوريا، والمخطط العنصري الذي يسعى النظام لتنفيذه ضد الكرد، وأحوال الحركة التحررية الكردستانية بالجوار، وحذر التقرير من مخاطر تحرك التيار اليميني الموالي للسلطة على مستقبل الحركة الكردية السورية.
وانتهى التقرير بالتأكيد على الطابع الفكري والسياسي لجميع الخلافات الناشئة، ومن ثم تم التوافق على جملة مبادئ شكلت النهج الجديد للحزب الذي جسد بتلك المرحلة الحركة الكردية السورية وأهمها:
أولا – إعادة تعريف الكرد السوريين كشعب من السكان الأصليين، من حقه تقرير مصيره السياسي والإداري في اطار سوريا ديموقراطية موحدة.
ثانيا – التوازن بين القومي والوطني وإنقاذ الحزب من التوجهات الراديكالية ان كانت قومية او سورية، وهذا ما خلق إشكالية فيما بعد، وصراعا فكريا لم يهدأ مع أصحاب التيارين وباشكال مختلفة.
ثالثا – الانحياز الى جانب القضايا الاجتماعية لفقراء الكرد في الصراع الذي نشب بتلك المرحلة مع السلطة الشوفينية الجائرة على المستوى الوطني، وتهدئة الصراعات الاجتماعية بين الكرد وحلها بالطرق السلمية.
رابعا – اعتبار الحركة الكردية جزء من المعارضة الوطنية الديموقراطية، وضد نظام الاستبداد الحاكم.
خامسا – الوقوف الى جانب القيادة الشرعية لثورة أيلول وزعيمها الراحل مصطفى بارزاني.
سادسا – تعميق الدور الثقافي للحزب، وايلاء الأهمية لشريحتي المرأة والشباب.
وهنا لم نجد في كل هذه المهام، والتوجهات أية إشارة الى شخصنة الصراع، أو اطلاق تعابير (التخوين والعمالة) ضد احد.
الصراعات الحقيقية والوهمية
بحسب رؤية وتوجه – البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي – فان الصراع فكري وسياسي داخل الحركة ويجب ان تحل عبر الحوار، والتنافس، اما مع النظام المستبد الحاكم آنذاك وسلطته فالصراع كان رئيسيا وتناحريا لن ينتهي الا باسقاطه وإيجاد البديل الديموقراطي، وهذا ماتحقق فعلا بعد عقود.
وبعد توغل الأجهزة الأمنية في جسم الحركة، واختراق احزابها، بدأت بمحاولة تغيير مجرى الصراع باتجاه الخارج، فبحكم عداوة النظام وصراعاته – ان كانت حقيقية او شكلية – مع بعض أنظمة الدول المجاورة مثل إسرائيل، وتركيا، والعراق، بدأ بمواجهة المعارضة الداخلية وبينها الحركة الكردية باتهامها – بالعمالة – لتلك الدول.
وزج هذه الاتهامات داخل الحركة واستخدام منشقين عن الأحزاب الكردية موالين للسلطة هذه التهم ضد خصومهم، وبذلك نفذوا هدف النظام باعتبار ان الأولوية لصراعات النظام، وليست للقضايا الداخلية، في حين ان مقياس الصدق، والنزاهة، والجدية هو الموقف من النظام الحاكم آنذاك ومدى الوقوف ضد مشاريعه وخططه.