د. محمود عباس
أخفقت الإدارة الذاتية في بناء الدولة وأخفقنا في حماية التجربة
خسارة المكتسبات التي حققها الشعب الكوردي في غربي كوردستان مؤلمة، وربما تكون من أشد الانتكاسات التي أصابت الحراك الكوردي في العقود الأخيرة. فقد دُفعت أثمان بشرية باهظة، وبُنيت قوة عسكرية لفتت أنظار العالم، ونشأت إدارة امتلكت مساحة واسعة وموارد وعلاقات دولية وفرصة نادرة لتحويل الوجود الكوردي في سوريا من حالة إنكار إلى حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها.
لكن هذه التجربة تراجعت، وأعني إقامة كيان فيدرالي كوردي ضمن نظام سوري لا مركزي، وتآكلت مكتسباتها، وتعرضت لضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية هائلة. وأمام هذا التراجع، اندفع بعضنا إلى التخوين، وبعضنا إلى الدفاع الأعمى، فيما اكتفى آخرون بالرثاء وكأن تاريخ الأمم يُكتب بالبكاء على الفرص الضائعة.
ولا التخوين تفسير، ولا التبرير مراجعة، ولا الرثاء مشروع للمستقبل.
لقد أخطأت الإدارة الذاتية، وأخطأت بعمق في بعض المحطات، وبالمقابل أخطأت الأطراف الأخرى من الحراك الكوردي أيضا حتى وإن كانت بأوجه مختلفة – لن أقف على هذا الجانب الأن-. الإدارة الذاتية، تعنتت، وتفردت بالقرار، ولم تتسع بالقدر المطلوب للرأي الكوردي الآخر، وتعاملت أحيانًا مع النقد كأنه عداء، ومع الاختلاف كأنه تهديد. وأضعف هذا السلوك وحدة الصف الكوردي، وحرم التجربة من طاقات سياسية وفكرية وإدارية كان يمكن أن تمنحها شرعية أوسع.
كما أخفقت الإدارة في الانتقال الكامل من عقلية حركة التحرر إلى عقلية بناء الدولة. امتلكت الأرض والموارد والوقت والدعم، لكنها لم تحولها بالمستوى المطلوب إلى بنية تحتية واقتصاد منتج ومؤسسات مهنية وخدمات تجعل المواطن يشعر بأنه يعيش في نموذج مختلف عن بقية المناطق السورية، لا شك التعليم وخاصة باللغة الكوردية كان جيدا، وانتصارا، رغم الانتقادات غير المنطقية من بعض الأطراف الكوردية والمبنية على الخلافات الحزبية. بقيت القوة العسكرية أكثر وضوحًا من قوة المؤسسة، وبقي الخطاب السياسي أوسع من الإنجاز الاقتصادي والخدمي.
وتآكلت التجربة من الداخل بفعل الانقسام الحزبي، واحتكار القرار، وضعف الشفافية، والهجرة، وتراجع الثقة، وعدم بناء شراكة كوردية حقيقية. ولا يجوز إخفاء هذه الأخطاء بحجة خطورة المرحلة؛ لأن الحركة التي لا تحتمل النقد في زمن القوة ستواجه الانهيار الكلي في زمن الضعف.
لكن تحميل الإدارة الذاتية وحدها مسؤولية ما حدث تزوير للحقيقة أيضًا. فقد واجهت التجربة عوامل خارجية كارثية: الاجتياحات التركية، واحتلال عفرين سنة 2018، والهجوم على سري كانيه وكري سبي سنة 2019، والتهديد العسكري المستمر، وتبدل السياسات الأمريكية ما بين إدارتي دونالد ترامب والديمقراطيين، والمساومات الروسية، وتعنت دمشق، وعداء القوى الإقليمية لأي اعتراف سياسي بالكورد.
كانت الولايات المتحدة تنظر إلى قسد في الأساس بوصفها شريكًا عسكريًا لمحاربة داعش، لا حاملًا لمشروع قومي يتوجب عليها حمايته، خاصة في مرحلتي إدارة دونالد ترامب. وعندما تراجعت الحاجة العسكرية، تراجعت معها قيمة الشراكة في الحسابات الدولية. أما روسيا فتعاملت مع الورقة الكوردية ضمن مساوماتها مع تركيا ودمشق، في حين رفضت السلطات السورية المتعاقبة الاعتراف بأن سوريا تضم شعبًا كورديًا له حقوق قومية وسياسية، لا مجرد أفراد يحتاجون إلى بعض الحقوق الثقافية.
إذن، ما حدث لم يكن خيانة واحدة، ولا خطأ شخص واحد، ولا مؤامرة خارجية منفردة، بل نتيجة التقاء كارثي بين ضغط خارجي هائل، وتبدل المصالح الدولية، وعداء إقليمي منظم، وتآكل داخلي، وانقسام كوردي، وتعنت سياسي، وتفرد في الحكم، وإخفاق في تحويل القوة العسكرية إلى مؤسسات دولة قادرة على انتزاع ضمانات دولية.
غير أن مراجعة تجربة غربي كوردستان، على أهميتها، لا ينبغي أن تحبس وعينا داخل حدود الجزء. فهذه الخسارة، على قسوتها، ليست المأساة القومية الأعمق؛ بل هي أحد أعراض غياب مشروع كوردستاني شامل، قادر على حماية تجارب أجزائه وتحويلها إلى قوة قومية متراكمة. وهذا ما سأناقشه في الجزء الثاني.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
22/7/2026 م