عنايت ديكو
المثقف لا تصنعه الاجتماعات والمؤتمرات والمظاهر البرّاقة، بل تصنعه المواقف، وتُنجبه المبادئ.
المثقف هو ذاك العنقاء الذي يخرج من بين الزحام والآلام، حاملاً مشروعه الوجودي بين يديه.
نعم … قد يخطئ المثقف، لأنه بشر، يأكل ويشرب، لكنه لا يخون عمداً، ولا يؤجر مساحات الوعي، ولا يبيع أركان ضميره، ولا ينكر معروفاً.
فيبقى وفياً لقضية الانسان، صادقاً في مشاعره، ثابتاً على مبادئه ومواقفه، مهما تغيرت الظروف وتعاقبت الأيام.
فالمثقف شخصٌ نادرُ الهوية، حضوره أمان، وكلامه طمأنينة، وغيابه فراغٌ قد لا يُعوَّض.
يفرض احترامه، ويحترم القيم الحضارية والإنسانية، مهما تباعدت المسافات والجغرافيات بينه وبين الآخرين من الفرق والكتلُ والأشكال الهندسية والحزبية والسياسية.
فالمثقف يصون الجميل، ولا ينتظر مقابله شيئاً. ولا يقيس علاقاته بالمصلحة والزكام السياسي، ولا يتغير بتغير الأحوال والانقلابات العسكرية؛ لأن أصالته جزءٌ من أخلاقه، وليست مجرد صفة عابرة.
قد يخسر المثقف الكثير، لأنه يختار الصدق في زمن كثرت فيه العناوين، وكتبة التقارير الإلكترونية، وتكاثر الفيروسات والموانع والأقنعة. لكنه، في النهاية، يكسب أغلى ما يمكن أن يملكه الإنسان: ضمير التاريخ، وراحة الوجود.
ولذلك … فإن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس جهل الجاهل، بل صمت المثقف، لأن الجاهل لا يدّعي امتلاك النور، أما المثقف، إذا صمت، فقد ترك الظلام يتحدث باسمه.
المثقف ليس مهنة … ولا شهادة … ولا لقباً أكاديمياً … بل مسؤولية وجودية.
فالمثقف هو ذاك الإنسان الذي يحمل في داخله محكمة ″سقراط″ لا تغلق أبوابها قط … وقاضياً لا يقبل الرشوة … وضميراً لا يعرف التقادم. وكلما اشتدت العتمة، ازداد إيمانه بأن قيمة الشمعة لا تُقاس بحجمها، بل بقدرتها على مقاومة الدجى.
———