دلدار بدرخان
لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية قومية ودين “، ولعلنا نكتشف معاً مكامن هذا الخلاف ، ونبحث عن أسبابه الحقيقية وطرق معالجته بعيداً عن التخوين والتجريح والهروب من أصل المشكلة .
فالمفهوم الذي يتبناه البعض من الإخوة الإيزيديين الكورد يثير حفيظة بقية الكورد ، ويجعلهم في حالة غضب واستياء ، خصوصاً عندما يصل الأمر إلى إنكار الانتماء القومي أو الوقوف في بعض الحالات في الضفة المقابلة للمشروع الكوردي .
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح قبل إطلاق الأحكام الجاهزة هو: لماذا وصل بعض الكورد الإيزيديين إلى هذه القناعة أصلاً؟
فالكثيرون يكتفون بإدانة النتيجة دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث في الأسباب والحيثيات التي دفعت كوردياً إلى التبرؤ من كورديته ، أو إلى إدارة ظهره لأبناء قومه ، أو حتى إلى الوقوف في بعض الأحيان مع أعداء قضيته وتبني رواياتهم وخطابهم ضد أبناء قومه .
وقد يتذكر البعض من الإخوة المتابعين أنني تطرقت قبل أيام إلى موضوع تهميش أصحاب الأقلام والنخب الكوردية ، وضرورة الاهتمام بهم ، وكيف أن البعض قد يختار لنفسه أن يسلك طريقاً خاطئاً نتيجة الإهمال والتهميش الذي يتعرض له ، ونتيجة خيبة الأمل التي تتراكم في داخله حتى تتحول مع مرور الوقت إلى قطيعة وتمرد ونفور .
وقد ذكرت في الوقت نفسه أن هذا الأمر غير مبرر ، لكنه أحد الأسباب الجوهرية التي لا يجوز التغافل عنها تحت أي ظرف كان ، فلا يكفي أن نقول: “مهما كانت الظروف ، لا يجوز للكوردي أن يفعل كذا وكذا ” ثم نترك الأسباب التي أوصلته إلى ذلك دون معالجة ،
فلكل إنسان نظرته وحدوده في التفكير ، ولكل جرحٍ أسبابه ، ولكل قطيعةٍ مقدماتها ، ومن يريد معالجة النتائج فعليه أولاً أن يمتلك شجاعة مواجهة الأسباب .
والحال يتكرر بصورة مختلفة مع الكورد المسلمين أيضاً ، فالكثير من الكورد المسلمين بدأوا يطرحون أسئلة قاسية حول علاقتهم بدينهم الاسلامي ، بل إن بعضهم وصل إلى حد التبرؤ منه ولفظه ، متأثراً بما تعرض له الكورد من سياسات عدائية وقمع واضطهاد على أيدي أنظمة وقوى عربية وتركية وفارسية رفعت في مراحل مختلفة شعارات دينية وقومية واستخدمتها ضد الكورد .
والحال يتكرر أيضاً مع الإخوة الكورد الإيزيديين في أجزاء كوردستان المختلفة ، سواء في إقليم كوردستان أو في غرب كوردستان أو في الأجزاء الأخرى ، حيث نرى بأم أعيننا كيف جرى ويجري تهميشهم وإقصاؤهم من العملية السياسية ، وحتى داخل بعض الأحزاب الكوردية ، وكيف لم تُمنح خصوصيتهم الدينية والثقافية ما تستحقه من اهتمام وحماية واحتضان .
ولا سيما أنهم بالنسبة لنا جزء أصيل من البيت الكوردي ، وأخٌ أصغر لا يجوز أن يُترك وحيداً أمام العواصف ، بل يفترض بالأخ الأكبر أن يحميه ويصون خصوصيته وكرامته وحقوقه ، لا أن يتذكره فقط عندما يحتاج إلى صوته أو وجوده أو تضحياته .
ولا ننكر هنا أن بعضهم قد شذّ عن جادة الصواب ، ولا ننكر أيضاً أن بعضهم خان الانتماء الكوردي وراح يحمل عصا أعدائه ضد إخوته في القومية ، لكن الشيء الذي نراه ونشاهده موجود أيضاً وبصور مختلفة لدى بقية المكونات المذهبية والدينية الكوردية ، وهذا لا يبرر تقصيرنا ، بل يفضح حجم مسؤوليتنا .
فالخطأ الذي يرتكبه فرد لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لإدانة جماعة بأكملها ، كما أن أخطاء البعض لا تمنحنا رخصة أخلاقية للتهرب من مسؤوليتنا تجاه الإخوة الإيزيديين ، ولا تبرر تركهم فريسةً للتهميش أو دفعهم دفعاً نحو البحث عن هوية بديلة يشعرون من خلالها أنهم أكثر احتراماً وأمناً ووجوداً .
وإذا كنا نريد من الإيزيدي الكوردي أن يشعر بأن كورديته وطنٌ وكرامة وانتماء ، فعلينا أولاً أن نجعل هذا الانتماء واقعاً ملموساً، لا مجرد شعار نرفعه في المناسبات .
ففي سوريا على سبيل المثال قام الإخوة الكورد الإيزيديون بتشكيل مجلس إيزيديي سوريا للدفاع عن خصوصيتهم الدينية والثقافية وتمثيل قضاياهم ، بعد شعورٍ متراكم بالتهميش والإقصاء من بعض الأحزاب الكوردية ، لأنهم لم يجدوا في تلك الأحزاب ضالتهم ، ولم يجدوا الاهتمام الكافي بخصوصيتهم ، ولم يجدوا أنفسهم مدمجين بالشكل الذي يليق بهم وبمكانتهم وحقوقهم .
فهل يعقل أن نترك الإيزيدي الكوردي يشعر بأنه غريب داخل بيته ثم نغضب عندما يبحث عن بيتٍ آخر ، وهل يعقل أن نطالبه بالتمسك بهويته الكوردية ، بينما نهمشه سياسياً ونقصيه تنظيمياً ونتجاهل خصوصيته الدينية والثقافية ، ثم نُحمّله وحده مسؤولية النتائج؟
وهل يعقل أن نطلب منه أن يكون معنا في أوقات الخطر والتضحيات ، ثم لا يكون له مكانٌ حقيقي على طاولة القرار عندما يحين وقت اقتسام المسؤولية والحقوق؟
إذاً قبل أن نلوم الإيزيدي الكوردي على ابتعاده ، علينا أن نسأل أنفسنا: من الذي دفعه إلى الابتعاد ، وقبل أن نخوّنه بسبب بحثه عن خصوصيته علينا أن نسأل: لماذا لم يجد هذه الخصوصية مصانةً داخل البيت الكوردي؟ وقبل أن نشهر في وجهه سيف التخوين علينا أن نمتلك شجاعة النظر في المرآة.
فمن يريد من الإيزيدي أن يقول: ” أنا كوردي ” عليه أن يجعل الكوردي يقول له قبل ذلك: ” أنت أخي ، وخصوصيتك مصانة ، وحقوقك حقوقي ، ومكانك في هذا البيت محفوظ لا منّة فيه ولا فضل “