يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة كردستان المستقلة والمعترف بها دولياً. إن جذور هذا الصدام لا تقف عند حدود المنافسة الحزبية الضيقة، بل تمتد لتضرب عمق البنية الفلسفية والاجتماعية والنفسية.فالشيوعية الكلاسيكية واليسار الجديد قاما على أساس إحلال الوعي الطبقي المزيف محل الوعي القومي الوجودي، وذلك عبر استيراد نموذج الصراع الماركسي المستند إلى مجتمعات صناعية أوروبية وإسقاطه قسراً على مجتمع كردي ريفي وزراعي بالكامل يعيش تحت وطأة احتلال قومي مباشر وسياسات صهر ممنهجة. وبدلاً من تجميع الطاقات الكردية بكافة قواها الحية وشرائحها الاجتماعية من فلاحين ومثقفين وعشائر ورجال أعمال داخل جبهة تحرر وطني موحدة لمواجهة قوى الاحتلال الإقليمي، عمد هذا التيار إلى تحريض الفلاحين والطبقات الفقيرة ضد الزعامات التقليدية والعشائرية والآغوات، مما تسبب في شق الصف الاجتماعي الداخلي وافتعال معارك واقتتالات دموية عبثية شتتت طاقات المقاومة المسلحة في الجبال، ووجهت البنادق الكردية نحو الداخل بدلاً من توجيهها نحو العواصم المركزية المحتلة للأرض.
وترافق هذا التفتيت الاجتماعي مع هجوم ثقافي استهدف نزع الشرعية والقداسة عن الثورات الكردية الكبرى، مثل ثورة الشيخ سعيد بيران وثورات بارزان؛ حيث وصفتها الأدبيات الشيوعية في مذكراتها وأرشيفها بالانتفاضات الإقطاعية والرجعية التي تخدم مصالح البرجوازية، مما أصاب فئات واسعة من الشباب الكردي بحالة من الاغتراب الفكري والتشكيك تجاه الرموز الوطنية التاريخية التي كان من المفترض أن يلتف حولها الشارع لتغذية مشروع الدولة المستقلة.
ويرتبط هذا الخلل الآيديولوجي، وفق هذا الطرح، بظاهرة سوسيولوجية خطيرة عانت منها النخبة المثقفة واليسار الكردي، وهي حالة الاستلاب المعرفي والنفسي تجاه عواصم المركز (بغداد، أنقرة، طهران، دمشق). فبحكم دراسة الغالبية العظمى من هذه الكوادر في جامعات وصالونات ومقاهي تلك العواصم، صيغ عقلهم السياسي بمصطلحات مستوردة بلغات القوميات السائدة كالعربية والتركية والفارسية، ومن خلال تفاسير نخب المركز للماركسية، مما ولد لديهم عقدة نقص معرفية مزمنة جعلتهم يسعون دائماً لنيل صك الغفران الثوري من المثقف المركزي لإثبات أنهم أمميون تقدميون وليسوا انفصاليين ضيقي الأفق، وهو ما دفعهم، بحسب هذا المنظور، إلى تمييع الخصوصية القومية لشعبهم وتقديمها قرباناً على مذبح الأخوة العمالية المزعومة، فعُطلت بذلك إمكانية بلورة خطاب سيادي كردي خالص لعقود طويلة.
وتكشف الوثائق والاتفاقيات التاريخية الإقليمية والدولية، بحسب هذا المنظور، كيف فطنت أجهزة المخابرات والأنظمة المركزية في تلك الدول لهذا الشرخ الفكري ووظفت اليسار الكردي بوصفه “ممتص صدمات” سياسي وجسراً للاختراق. فعندما كان الاحتقان القومي الكردي يبلغ ذروته ضد القمع والاضطهاد، كانت تلك العواصم تقرب الأحزاب الشيوعية الكردية وتشركها في حكومات وجبهات وطنية صورية، مثل الجبهة الوطنية في العراق عام 1973 مع حزب البعث، أو من خلال الهيمنة الفكرية لخالد بكداش في سوريا وموقفه من أول حزب قومي كردي عام 1957، حيث منحت هذه التكتيكات، وفق هذا الطرح، غطاءً سياسياً وفكرياً للأنظمة المركزية لضرب الحركات القومية المسلحة وممارسة سياسات التعريب والتتريك والتهجير تحت شعار حماية الثورة ومحاربة الرجعية والعمالة للإمبريالية.
ويتوافق هذا، بحسب أصحاب هذا الرأي، مع السياسة الدولية للاتحاد السوفيتي السابق، الذي ضحى بالحقوق الكردية مراراً، بدءاً من سياساته في مرحلة مؤتمر باكو لشعوب الشرق عام 1920، ووصولاً إلى موقفه من جمهورية مهاباد عام 1946 وحركات الجبل، إذ تُحمِّل هذه القراءة موسكو مسؤولية إعطاء الأولوية لتحالفاتها الإقليمية على حساب المشروع القومي الكردي، وما انعكس عن ذلك من مواقف تبنتها الأحزاب الشيوعية المحلية.
ولا يقف هذا الدور، وفق الرؤية القومية، عند حدود التاريخ الكلاسيكي، بل يمتد بأشكال أكثر تطوراً في المشهد السياسي المعاصر من خلال أطروحات اليسار الجديد القائمة على نظريات مثل الكونفدرالية الديمقراطية ومفهوم الأمة الديمقراطية. ويرى أنصار هذا الطرح أن هذه المفاهيم أُنتجت لتقويض فكرة الدولة القومية المستقلة، عبر استبدالها بمشاريع إدارية واجتماعية عابرة للحدود، وهو ما أدى، من وجهة نظرهم، إلى صرف الشباب الكردي عن مشروع بناء مؤسسات سيادية وجيش وطني يحمي حدود كردستان.
وقد تجلت هذه الإشكالية، بحسب هذا المنظور، بوضوح خلال استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق عام 2017، حين يرى أصحاب هذا الرأي أن التيار اليساري والشيوعي حشد منصاته السياسية والإعلامية لانتقاد المشروع السيادي والتركيز على ملفات الفساد والأزمات المعيشية، واصفاً الاستفتاء بأنه مشروع عائلي أو عشائري برجوازي، الأمر الذي يعتبره الفكر القومي إسهاماً في إضعاف الإجماع الوطني ومنح القوى الإقليمية والميليشيات المناهضة للاستقلال غطاءً سياسياً لمعارضة المشروع.
وانطلاقاً من هذه القراءة، يخلص الفكر القومي إلى أن اليسار والشيوعية الكردية لم يكونا مجرد تيار سياسي منافس، بل تحولا، عبر مسار تاريخي طويل، إلى مشروع آيديولوجي أسهم في إضعاف الوعي القومي وتفكيك أولويات الحركة الوطنية الكردية، الأمر الذي جعل حلم الدولة والسيادة، في نظر هذا الاتجاه، يتعرض مراراً للعرقلة كلما اقترب من لحظاته الحاسمة.