تتحول الإنقسامات في سوريا من الظواهر المتفرقة في عهد النظام البائد إلى إنقسام منظم تعيد تشكيل الفرد و المجتمع و السلطة مع بعضهم البعض و لم يسأل أحد نفسه كيف يمكن التعايش في ظل هذه الأجواء المشحونة و الإنقسام الموروث و النتيجة الواضحة هو أنه لم يعد هناك إختلاف بل رفض المختلفين كلياً و عدم إعطائهم مساحة للتعبير أو مناقشة الحقوق الطبيعية و هنا يبدأ المجتمع في الإنهيار و ينفصل عن بعضه البعض و تختفي مساحة الحوار و الجيرة و المصاهرة و يبدأ التواصل بالتآكل تدريجياً و يبأ كل طرف بالعيش داخل بيئته و يزداد اليقين يوماً بعد يوم باستحالة العيش مع الأطراف التي تعادي مجتمعاً متداخلاً مع بعضه البعض دون مراجعة نفسه و أسباب هذا الرفض و العداوة.
في هذه الحالة تبدأ هذه العدوى منتشرة بين أوساط السلطة الحاكمة و تعمل على تقوية الإنقسام في المجتمع و تسلك سياسات تمييزية بخطاب عنصري و طائفي و ذلك بتفضيل العشيرة و القبيلة على الوطن و استلام الجهلة و المارقين و الخارجين عن القانون مناصب سيادية في السلطة الحاكمة و من يختلف معهم يتم إقصائه إو تصفيته و هنا تتشكل سلوكيات الناس المنحرفة وفق نظام السلطة العنصرية و يصبح التمييز و العنصرية قابلة للتنفيذ عن طريق أدواتها من أبناء القبائل و العشائر و يصبحون وقودأ لحروب السلطة المخفية التي لم و لن تكون محايدة في جميع الأحوال بل تصبح جزءاً من هذا الحراك المشبوه و لكن في ثوب التخفي و الدعم بعيداً عن التدخل و تتحول إدارة الأزمة و الإنقسام إلى مصلحة خاصة يتحكم فيها المتنفذون في السلطة و يتحول المجتمع إلى شبكات مغلقة من العصابات و قطاع الطرق و تكون قراراتها إنتقائية و يتم تغذية هذه السلوكيات داخل السلطة الحاكمة.
ما يحصل اليوم في محافظة الحسكة من تحريض طائفي و مجتمعي ضد الآخرين هو سلوك ليس ببعيد عن السلطة الحاكمة و كل فعل أو خطاب طائفي و عنصري تكتبه السلطة و يتلوها الجهلاء و أصحاب المصالح الشخصية من عشائر و قبائل نصبت نفسها زوراً و بهتاناً حامية للقانون، و أصبحت السلطة في دمشق هي المحرك الأساسي لتعزيز هذه السلوكيات المنحرفة و تقويض كل ما تم الإتفاق عليه و نقضها عن طريق هؤلاء المشبوهين تحت خيم العار و الإنقسام و التحريض لأن المجتمع لا يحتاج إلى كراهية أكثر مما هي موجودة و لا نحتاج إلى خطاب الجهلاء لكي ينفذها العقلاء و لكن لا بد من قليل من الإنصاف و العدالة.
تتسلل الكراهية مع مرور الوقت إلى أعماق المجتمع ومن ثم تغيب قدرة الإنسان على التعاطف مع من يختلف معه أو من يلغي هويته و يصبح الإنقسام شكلاً طبيعياً في المجتمع نتيجة سلوكيات المتعصبين و الجهلاء و يصبح الطرف الآخر غريباً و يتحول إلى عدو و تنتفي الثقة ما بين أفراد المجتمع تماماً كما يحصل اليوم في سوريا حيث تحولت السياسات من نقاش إلى هوية و أصبحت المواقف تبنى على المواقف الموروثة و السارق و اللص و الحرامي و الناهب و السالب يستشهد بمواقف موروثة لا تنتمي إلى التاريخ و لا إلى الجغرافيا لأن المواقف أصبحت متنقلة شفوياً بدون الرجوع إلى وقائع التاريخ فمثلاً الشعب الكردي موجود على أرضه التاريخية منذ آلاف السنين و بموقف شفوي من جاهل يتم إلغاء تاريخ الشعب الكردي و يتم تداوله فيما بينهم و يصدقون كذبتهم و من هنا يبدأ الكردي من إنسان يفكر إلى إنسان يدافع عن نفسه و إنتمائه أمام هذا الخطاب الجاهلي و هنا سوف تتدخل السلطة في هذا المناخ الممزق لتجد بيئة لا تحتاج إلى صناعة الإنقسام فيه بل إلى التفنن في كيفية إدارة هذا الصراع و الإنقسام الذي حصل و سوف يتم بيع الشعارات الوطنية و لكنه في نفس الوقت يعمل عكس الذي يتبناه.
نتمنى الخير لبلادنا و أن تكون السلطة راعية للوطن و مصالح المواطنين بجميع ألوانهم و أطيافهم و أن تعمل على تحقيق المساواة و العدل و العمل على تقوية مؤسسات الدولة لما فيه خير الناس و المواطنين.
السلك التربوي- المانيا
26.07.2026