عبداللطيف محمد أمين موسى
تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد والتأثيرات الجوهرية في بنية الصراع، والتعقيدات المتعلقة بآلية الصراع وطبيعته وامتداده الجغرافي، والتهديدات الإيرانية بالتصعيد في هرمز وباب المندب. والأكثر خطورة من هذا كله هو التغير الجوهري في استراتيجية الصراع بالنسبة للجانب الإيراني، والمتمثلة بمبدأ: كل شيء أو لا شيء في المنطقة.
إن تغير طبيعة الصراع يستند إلى التغير في بنية الصراع وجوهر المصالح وتعقيدات الأمن الدولي والإقليمي، لذا فإن هناك الكثير من الدلائل والمؤشرات التي تشير إلى احتمالية عودة التصعيد الشامل في المنطقة.
ومن أهم هذه المؤشرات الانقسام الواضح في بنية وهيكلية وطبقة نظام الحكم وإدارة القرار في كلٍّ من واشنطن وطهران.
فبالنسبة لصناعة القرار الاستراتيجي في البيت الأبيض، تمثل قبل 28 فبراير بوزير الدفاع هيغست، ووزير الخارجية روبيو، ومدير الأمن القومي، ليشكلوا الفريق الميال إلى عسكرة الصراع والحسم العسكري، والداعم بقوة للسياسات والاستراتيجيات الإسرائيلية في المنطقة، ولاسيما هدفها الأساسي المتمثل بإسقاط النظام في طهران من خلال الصراع العسكري.
أما الفريق الثاني، فيتمثل بجي ديفانس نائب الرئيس، وفريق التفاوض كوشنر وويتكوف، أصحاب نظرية “مصلحة أمريكا أولاً”، وإمكانية تغيير النظام الداخلي الإيراني عبر التفاوض أو الوصول إلى اتفاقية مع إيران بشأن تخصيب اليورانيوم.
وكما لا يخفى على المتابع للشأن الداخلي الأمريكي، فإن توقيع ترامب على الورقة الإطارية في السابع من أبريل المتعلقة بوقف الحرب مع إيران كان نتاج جهد وعمل فريق جي ديفانس، والذي اعتُبر نصراً لاستراتيجية كسب المصالح الأمريكية عبر التفاوض.
ومع بداية الصراع الأخير، والمتعلق بمستجدات التصعيد الأمريكي في مضيق هرمز، يلاحظ أغلب خبراء ومراكز الدراسات الاستراتيجية المتعلقة بالشؤون الأمنية الأمريكية وصول الرئيس ترامب إلى قناعة بأنه خُدع من قبل الإيرانيين بتوقيع الاتفاق الإطاري، وأن إيران كسبت من هذا الاتفاق أكثر مما كسبته الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أن الضغط من اللوبي الإسرائيلي وصقور الحزب الجمهوري الداعمين للقضايا الإسرائيلية، عمد إلى محاولة الانتقاص من شخصية جي ديفانس وكوشنر وويتكوف، مهندسي هذا الاتفاق الإطاري.
ونتيجة لذلك، تم إسناد مسألة التفاوض إلى روبيو، الذي بدأ منذ يومين يدلي بتصريحات نارية تجاه إيران كان يتجنبها منذ بداية الأزمة. وهذه دلالة واضحة على أن فريق روبيو ووزير الدفاع ومستشار الأمن القومي قد أُسندت إليهم إدارة الملف الإيراني، بعد سحبه من أيدي جي ديفانس وفريقه، الأمر الذي يشير إلى تطور خطير في التأثير على تصريحات ترامب، بعدم اهتمامه أو قناعته بإمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران، واعتباره أن ذلك أصبح أمراً شبه مستحيل في ظل هذه التطورات، مع تلميحه إلى التصعيد الشامل مع إيران.
أما إيران، فقد شهدت بدورها تطورات في بنية نظام الحكم أو لدى أصحاب صناعة القرار في طهران، عبر سحب ملف التفاوض وإدارة التصعيد مع أمريكا من عراقجي وقاليباف، وإسناده إلى وحيدي المتشدد.
ويدل على ذلك حدة التصريحات الإيرانية بعدم التنازل عن الخطوط الحمراء بالنسبة لمضيق هرمز، بل والتهديد بفتح جبهات أخرى مثل باب المندب، وإدخال الحوثيين في الصراع، إلى جانب التهديد بتوجيه ضربات شاملة للمصالح الأمريكية في المنطقة والعالم.
إن محاولة شيطنة دور الوسطاء تعد من أبرز الدلالات على عودة التصعيد الشامل في المنطقة.
وتتمثل هذه المحاولة من قبل إسرائيل، والكثير من أقطاب وصقور الحزب الجمهوري، وجمعيات اللوبي اليهودي في العالم، عبر محاولة التأثير في دور الوسطاء، ولاسيما تشويه صورة قطر ومحاولة إظهارها كوسيط غير نزيه، بسبب أدوارها المشبوهة في دعم الحركات والجماعات المتطرفة، من أمثال حماس وحزب الله، وكذلك محاولاتها التأثير في تطورات المنطقة عبر استخدام النفوذ والمال السياسي لإحداث تغييرات، من خلال التأثير في السياسة الخارجية الأمريكية ضد المصالح الإسرائيلية في المنطقة، إضافة إلى دورها في الحلف الإسلامي المعتدل المناهض للمصالح الإسرائيلية بالشراكة مع تركيا وباكستان.
إن هذه المحاولات لشيطنة الوسطاء وتشويه صورتهم تشير إلى احتمالية عودة التصعيد الشامل في المنطقة.
كما أن إجماع غالبية خبراء العسكرة في المنطقة على أن وزارة الحرب الأمريكية تحتاج إلى ما يقارب ثلاثة أشهر لتعويض الاستهلاك في مخازن الذخيرة الأمريكية، يعد من أبرز الدلالات والمؤشرات على احتمالية عودة التصعيد الشامل، ولاسيما فيما يتعلق بتعويض مخزون الصواريخ بعيدة المدى، والفرط صوتية، وصواريخ القاذفات الجوية، التي استُهلكت بكثافة خلال الحرب التي استمرت إحدى وأربعين يوماً.
كما أن مشاهد وتقارير الجسور الجوية الأمريكية لنقل الأسلحة إلى الشرق الأوسط، وجميع استعدادات البنتاغون، قد اكتملت لتضع أمام الرئيس ترامب خيارات متعددة لتدمير إيران.
إن القراءة الاستراتيجية للتطورات في المنطقة بعد قمة حلف الناتو في تركيا، والإجماع على إدانة إيران واستفزازاتها في المنطقة، تُعد من أهم المؤشرات على عودة التصعيد الشامل، عبر كسب الرئيس ترامب الكثير من الشرعية الدولية والتأييد في صراعه مع إيران، ولاسيما دعم بريطانيا وفرنسا وألمانيا والكثير من الدول الأخرى، في ضرورة إنهاء سيطرة إيران على مضيق هرمز، وإنهاء اعتداءاتها على دول المنطقة، ولاسيما الخليج والأردن وإقليم كوردستان العراق.
ولعل أخطر هذه المؤشرات يتمثل في استهداف الحوثيين للسفن السعودية، والتهديد بإدخال جبهة مضيق باب المندب في الصراع من قبل إيران، إضافة إلى التحذيرات الصادرة عن سفارات الدول في المنطقة، وسحب البعثات الدبلوماسية البريطانية والفرنسية والألمانية من طهران، وتحذير رعاياها بضرورة توخي الحذر والاستعداد لكل التطورات والمستجدات والأحداث المتسارعة والمفاجئة في الشرق الأوسط.
وكل ذلك يُنبئ بقرب عودة التصعيد الشامل في المنطقة، ما لم يستجد أمر جديد، يتمثل في الإقرار الإيراني بالاستسلام غير المشروط، وهو أمر أراه مستبعداً في ظل تولي منظومة الحرس الثوري إدارة الصراع في المنطقة.