اكرم حسين
في زمن بات فيه التواصل الاجتماعي ساحةً موازية للسياسة، ومقياساً لتفاعل النخب مع هموم الجماهير، يبرز سؤال مشروع حول الظهور الرقمي المحدود للغاية لقادة الأحزاب الكردية السورية. فبينما تغص منصات “إكس” وفيسبوك بتصريحات السياسيين ، نجد أن القيادات الكردية السورية تكاد تكون غائبة، باستثناء حالات نادرة هنا أو هناك، لا ترقى إلى مستوى الحضور المطلوب.
هذا الغياب يطرح أكثر من تساؤل حول أسبابه الجوهرية:
أولاً: الترفع النخبوي أم “السياسة بمعناها الرفيع”؟
قد يرى بعض هؤلاء القادة أنفسهم في موقع “الآباء المؤسسين” أو حملة المشروع الوطني والقومي ، ومن هنا قد ينظرون إلى تفاصيل الحياة اليومية للشعب، واستفساراتهم المباشرة، وانتقاداتهم اللاذعة على وسائل التواصل، على أنها “سفاسف أمور” لا تليق بمستوى النضال التاريخي الذي يخوضونه. هم يفضلون الخطاب الرسمي المتزن الذي تنشره البيانات ، تاركين التفاعل اليومي مع المنصات ، اعتقاداً منهم أن التواجد في هذه المنصات قد يقلل من هيبتهم أو يعرضهم لمعارك هامشية.
ثانياً: غياب الأفكار أم ضعف الأدوات؟:
هناك تساؤل أكثر إزعاجاً: هل هذا الغياب ناتج عن عدم امتلاك رؤى واضحة وقابلة للنقاش، خاصة في المرحلة الدقيقة التي تمر بها القضية الكردية في سوريا؟ فالمنصات الرقمية ليست مجرد أدوات للتواصل، بل هي اختبار حقيقي لقدرة القائد على صياغة أفكاره، والدفاع عنها بلحظة، والتكيف مع ردود فعل الرأي العام. إذا كان القائد عاجزاً عن صياغة تغريدة واضحة بشأن ملف حساس، أو الرد على اتهام، فقد يكون ذلك هشاشة فكرية أو عدم جهوزية سياسية.
ثالثاً: حسابات السياسة الصعبة:
قد يكون السبب أكثر تعقيداً، ويتعلق بحسابات سياسية دقيقة. فالقادة الكرد في سوريا يتحركون في بيئة إقليمية ودولية بالغة الحساسية (تركيا، إيران، النظام السوري، التحالف الدولي). أي كلمة أو حتى “إعجاب” قد يُفسر من قبل هذه الأطراف ،كموقف سياسي يغير المعادلة. الصمت والحذر هنا قد يكونان استراتيجية متعمدة لتجنب إرباك العلاقات أو تقديم ذرائع للخصوم، وليس عجزاً.
رابعاً: العائق التنظيمي والثقافي:
لا يمكن تجاهل أن البنية الذهنية للقيادات “القدامى” قد لا تتلاءم مع سرعة وفضائية وسائل التواصل. فجيل هؤلاء القادة نشأ في زمن مختلف، حيث كانت السياسة تُصنع خلف الأبواب المغلقة، وليس في تغريدات عابرة. التحول إلى السياسي “الرقمي” يتطلب ثقافة مؤسسية جديدة، وإدارة أزمات رقمية، وهذه مهارة قد لا تتوفر بالسهولة ذاتها التي تتوفر بها المهارات الميدانية أو التفاوضية.
في النهاية، يبقى السؤال معلقاً:
هل هذا الغياب اختيار واعٍ يحسب للقادة كبعد عن الشعبوية، أم أنه كشف لفجوة بين “النخبة التاريخية” وقاعدة شعبية أصبحت تقرأ السياسة بلغة الحداثة الرقمية؟ الأكيد أن الجماهير الكردية، التي تعاني يومياً من أزمات معيشية وسياسية، أصبحت بحاجة ماسة إلى سماع صوت قائدها، ليس في البيانات فقط ، بل في تفاعل مباشر، يختبر فيه مدى قربه من نبض الشارع، وقدرته على امتلاك ناصية الحوار، بعيداً عن غموض البيانات وجفاف النشرات الرسمية.