عدنان بدرالدين
لم تعمّر مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران طويلًا. فما بدا عند توقيعها محاولة لوقف حرب مكلفة وفتح الطريق أمام تسوية أوسع، سرعان ما بدأ يتفكك تحت ضغط الخلافات التي جرى تأجيلها بدل حلها. عادت الضربات الأمريكية إلى الأراضي الإيرانية، وردت طهران باستهداف قواعد ومواقع أمريكية في دول المنطقة، واتسعت المواجهة لتصيب منشآت مدنية وحيوية في بعض دول الخليج. وهكذا انتقلت الأزمة، خلال أسابيع قليلة، من حديث متفائل عن نهاية الحرب إلى صراع مفتوح يصعب التنبؤ بحدوده.
لم يكن تجدد المواجهة نتيجة عامل واحد. فقد تداخل الخلاف حول مضيق هرمز مع غموض الالتزامات المتبادلة، وضغط الحرب على بنية القرار الإيراني، واعتراض إسرائيل على مضمون التفاهم، وتبدل مواقف بعض دول الخليج بعد تعرض أراضيها للهجمات. وفي الوقت نفسه، أصبحت الأهداف الأمريكية أقل وضوحًا: هل ما تزال واشنطن تسعى إلى لجم البرنامجين النووي والباليستي وتعديل سلوك النظام، أم أن عملياتها العسكرية بدأت تتجاوز ذلك إلى إضعافه على نحو قد يهدد قدرته على البقاء؟
وفق المعطيات المتاحة حتى 19 تموز/يوليو 2026، تكشف هذه المرحلة ثلاثة فراغات متزامنة: غياب اتفاق على النهاية التي ينبغي أن تصل إليها الحرب، وغموض الهدف الأمريكي النهائي، وتراجع وضوح مركز القرار داخل إيران. وهذه الفراغات، أكثر من أي حادث منفرد، هي التي تجعل التهدئة هشّة والمواجهة قابلة للتجدد.
تفاهم أجّل الخلاف
لم تكن مذكرة التفاهم اتفاق سلام بالمعنى الدقيق، كما لم تكن اتفاقًا نوويًا جديدًا. كانت صيغة انتقالية هدفت إلى وقف العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتهيئة الظروف لمفاوضات لاحقة تتناول القضايا الأكثر تعقيدًا.
غير أن المذكرة طلبت من الطرفين وقف الحرب قبل الاتفاق فعليًا على أسبابها أو على نتائجها السياسية. فقد تركت مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير المواد المخصبة، وحدود التخصيب وآليات الرقابة، والقدرات الصاروخية، والعقوبات، وإعادة الإعمار، ووضع القوى المرتبطة بإيران في المنطقة، والترتيبات الأمنية في مضيق هرمز، إلى مفاوضات لاحقة.
كان من الممكن لهذا الغموض أن يساعد على وقف مؤقت للنار، لأن الاتفاقات الانتقالية تحتاج أحيانًا إلى مرونة تسمح لكل طرف بتقديمها إلى جمهوره من دون أن يبدو وكأنه قدم تنازلًا جوهريًا. لكن الغموض الذي يسهل توقيع الاتفاق قد يتحول لاحقًا إلى سبب لانهياره.
فالولايات المتحدة رأت في المذكرة وسيلة لتثبيت نتائج الضغط العسكري وإعادة فتح المضيق، ثم الانتقال إلى مفاوضات تفرض قيودًا أشد على إيران. أما طهران، فنظرت إليها بوصفها وقفًا للحرب ينبغي أن يقترن بمكاسب اقتصادية وسياسية، مع احتفاظها بما يكفي من أوراق الردع إلى حين الوصول إلى اتفاق نهائي.
وهكذا اختلف الطرفان على معنى المرحلة الانتقالية نفسها. واشنطن أرادت تنفيذ الالتزامات الأمنية الإيرانية فورًا، بينما ربطت إيران التزاماتها بتنفيذ متزامن للوعود المتعلقة بالعقوبات والضمانات ووقف العمليات ضدها. وعندما لم يتحقق هذا التزامن، بدأ كل طرف يتهم الآخر بمحاولة الحصول على فوائد التفاهم من دون دفع ثمنها.
كما حاولت المذكرة تنظيم حرب لم تكن ثنائية أصلًا. فالولايات المتحدة وإيران تستطيعان وقف عملياتهما المباشرة، لكنهما لا تملكان وحدهما ضمان الهدوء على جميع الجبهات. إسرائيل طرف أساسي في الصراع الأوسع، ولبنان وحزب الله جزء من معادلته، كما أصبحت دول الخليج أطرافًا متضررة بعد تعرض أراضيها ومنشآتها للهجمات. لذلك كان الالتزام بوقف العمليات على جميع الجبهات أوسع من قدرة الموقعين الفعلية على تنفيذه.
عقدة هرمز
أصبح مضيق هرمز العقدة المركزية في انهيار التفاهم. فالولايات المتحدة تعاملت مع إعادة فتحه باعتبارها التزامًا إيرانيًا بحرية الملاحة، بينما نظرت إليه إيران بوصفه جزءًا من مجالها الأمني والسيادي وورقة لا يمكن التخلي عنها قبل الحصول على مقابل ملموس.
ولا يتعلق الخلاف بالملاحة وحدها. فالمضيق تحول خلال الحرب إلى مركز لتوازن القوة بين الطرفين. تريد واشنطن منع إيران من استخدامه وسيلة للضغط على الاقتصاد العالمي، لأن السماح لطهران بالتحكم في حركة السفن أو تعطيلها يعني بقاء إحدى أهم أدوات الردع الإيرانية فاعلة رغم الخسائر العسكرية التي تعرضت لها.
وفي المقابل، تدرك إيران أن فقدان قدرتها على التأثير في المضيق سيجردها من ورقة تفاوضية شديدة الأهمية بعد تضرر جزء من منشآتها العسكرية والنووية والصاروخية. لذلك ترى الولايات المتحدة في هرمز اختبارًا لحرية الملاحة والنظام الدولي، بينما تراه إيران اختبارًا لقدرتها على منع خصومها من تحويل تفوقهم العسكري إلى شروط سياسية مفروضة عليها.
وعندما تجددت الهجمات على السفن، وعادت الولايات المتحدة إلى ضرب المواقع الإيرانية وفرض القيود البحرية على الصادرات النفطية، لم يعد الخلاف يدور حول تفسير بند واحد، بل حول معنى مذكرة التفاهم كلها. اتهمت واشنطن طهران بعدم احترام التزاماتها، في حين قالت إيران إن الولايات المتحدة لم تنفذ ما تعهدت به، وإن التزاماتها لا يمكن أن تبقى قائمة ما دام الطرف الآخر يواصل عملياته العسكرية والاقتصادية ضدها.
تحولت المذكرة بذلك من إطار لإدارة التهدئة إلى وثيقة يستخدمها كل طرف لإثبات مسؤولية الآخر عن استئناف الحرب. وبدل أن يكون هرمز أحد الملفات التي ستعالجها التسوية، أصبح الملف الذي أعاد الحرب وهدد بإسقاط المسار السياسي كله.
إسرائيل: تأثير بلا مشاركة مباشرة
يظهر الدور الإسرائيلي عند البحث في أسباب هشاشة التفاهم، لكن من الضروري التمييز بين تأثيره السياسي والاستراتيجي وبين المشاركة العسكرية المباشرة في الجولة الأخيرة. فإسرائيل، وفق المعلومات المتاحة، لم تشارك مباشرة في الضربات التي استؤنفت داخل إيران بعد تعثر المذكرة. تلك الضربات كانت أمريكية، وجاءت في سياق الخلاف المباشر بين واشنطن وطهران حول مضيق هرمز وتنفيذ الالتزامات.
مع ذلك، لم تكن إسرائيل راضية عن مذكرة تؤجل القضايا النووية والصاروخية وتتيح لإيران وقتًا لإعادة تنظيم قدراتها. وهي تريد اتفاقًا يحول المكاسب العسكرية إلى ترتيبات دائمة وقابلة للتحقق، تشمل تقييد التخصيب والمخزون النووي، ومنع إعادة بناء القدرات الباليستية، وتقليص نفوذ إيران الإقليمي، مع احتفاظ إسرائيل بحرية التحرك إذا رأت أن التهديد يتجدد.
ومن هذا المنظور، قد تبدو هدنة لا تتضمن هذه الشروط فرصة لإيران لالتقاط الأنفاس، لا بداية لتسوية مستقرة. فالولايات المتحدة تستطيع النظر إلى تأجيل الملفات المعقدة بوصفه خطوة أولى نحو معالجة تدريجية، أما إسرائيل فتخشى أن يصبح التأجيل نفسه مكسبًا إيرانيًا.
وقد ظهرت الخلافات الأمريكية–الإسرائيلية إلى العلن عندما اتهم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بعض المسؤولين الإسرائيليين بمحاولة التأثير في الرأي العام الأمريكي وتعطيل المسار التفاوضي. لكن ذلك لا يعني أن إسرائيل أسقطت التفاهم أو أجبرت واشنطن على العودة إلى الحرب. فالخلاف حول هرمز والعقوبات وتنفيذ الالتزامات كان قائمًا بصورة مستقلة.
الأدق أن إسرائيل أسهمت في تضييق المجال السياسي المتاح أمام الاتفاق، لكنها لم تخلق تناقضاته الأساسية، ولم تكن الطرف العسكري المباشر في الانفجار الأخير. ولذلك لا يمكن تفسير انهيار المذكرة بوصفه نتيجة لضغط إسرائيلي وحده، كما لا يمكن تجاهل أن موقف إسرائيل جعل الانتقال من وقف مؤقت للحرب إلى تسوية دائمة أكثر صعوبة.
صراع داخل دوائر صنع القرار الإيراني؟
أصبح سؤال تماسك القيادة الإيرانية أكثر أهمية مما كان عليه في بداية المواجهة. فقد بدا في المراحل السابقة أن مؤسسات النظام، على الرغم من اختلافها في تقدير الوسائل، متفقة على الأهداف الرئيسية: حماية بقائه، ومنع فرض استسلام سياسي عليه، والاحتفاظ بأوراق الردع المتبقية. غير أن المعلومات المتداولة أخيرًا تشير إلى أن الخلاف ربما أصبح أوسع من مجرد تباين تقليدي بين نهج دبلوماسي وآخر عسكري.
فمنذ مقتل علي خامنئي وصعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد، تزايدت المؤشرات إلى أن الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والعسكرية أصبحت أكثر تأثيرًا في القرارات الاستراتيجية، بينما تراجع الدور التحكيمي الذي كانت تمارسه مؤسسة المرشد. كان علي خامنئي، بحكم خبرته الطويلة وموقعه داخل بنية النظام، قادرًا على الفصل بين المؤسسات أو فرض تسويات مؤقتة بينها. أما المرشد الجديد، فلا يبدو أنه يمتلك حتى الآن السلطة السياسية والدينية والشخصية نفسها، وهو ما يفتح المجال أمام مراكز القوة الأخرى لتوسيع نفوذها.
ولا يعني ذلك أن القيادة انقسمت بالضرورة إلى معسكرات منفصلة أو أن الدولة فقدت قدرتها على اتخاذ القرار. لكنه يعني أن التوازن بين مؤسساتها أصبح أكثر اضطرابًا وأقل وضوحًا. فقد تحدثت تقارير عن تقديرات متباينة قدمتها وزارة الخارجية ومقر خاتم الأنبياء وقوة القدس وسلاح الجو والفضاء التابع للحرس الثوري بشأن حجم الأضرار، وقدرة إيران على مواصلة المواجهة، وما إذا كانت الردود العسكرية تحقق الردع أم تمنح الولايات المتحدة مبررًا لتوسيع عملياتها.
كما ظهرت مؤشرات إلى خلاف حول إدارة الاتصالات مع الوسطاء. فوزير الخارجية عباس عراقجي يدفع، وفق هذه التقارير، نحو توحيد قنوات الاتصال ضمن مسار دبلوماسي واحد يقلل التناقض بين الرسائل السياسية والتحركات العسكرية. وفي المقابل، يواصل قادة الحرس تقديم تقديراتهم بشأن الردود والعمليات الإقليمية واستخدام مضيق هرمز.
وقد لا يكون الخلاف هنا بين من يريد الحرب ومن يريد السلام، بل بين تصورات متباينة لكيفية حماية النظام ومنع هزيمته. فهناك من يرى أن استمرار استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة واستهداف القواعد الأمريكية ضروري لإثبات أن إيران لم تفقد قدرتها على الرد. وفي المقابل، قد يرى آخرون أن مواصلة التصعيد ستؤدي إلى استنزاف القدرات المتبقية، وإلحاق أضرار واسعة بالبنية التحتية، وزيادة احتمالات الاضطراب الداخلي.
وفي هذا السياق، ظهرت رواية منسوبة إلى مصدر أمني إسرائيلي تشكك في وجود مجتبى خامنئي داخل إيران، وفي استقلال الرسائل الصادرة باسمه، وتقول إن أحمد وحيدي ومسؤولين في الحرس يشاركون في إعدادها. لكن الرواية لم تحظَ بتأكيد مستقل، كما أن مصدرها وطبيعة الصراع يفرضان التعامل معها بوصفها جزءًا محتملًا من حرب المعلومات، بقدر ما قد تكون مستندة إلى تقديرات استخباراتية. ولذلك لا يمكن اعتمادها دليلًا على انتقال القرار فعليًا من مؤسسة المرشد إلى قيادة الحرس، وإن كانت تعكس اتساع الشكوك المحيطة بموقع المرشد الجديد داخل بنية السلطة.
ولا تكفي هذه المعطيات للحديث عن انقسام نهائي أو انهيار في بنية النظام، كما لا تثبت أن طرفًا داخل القيادة الإيرانية قرر منفردًا إفشال مذكرة التفاهم. وربما يكون الأدق القول إن إيران وافقت على المذكرة بإجماع اضطراري على وقف الحرب، من دون أن تتوصل إلى إجماع مماثل على تفسير بنودها أو حدود التنازلات الممكنة.
فالاتفاق على ضرورة بقاء النظام لا يعني الاتفاق على الطريق المؤدي إلى ذلك. هل يتحقق البقاء بإظهار القدرة على الرد مهما ارتفعت الكلفة، أم بضبط التصعيد قبل أن تصبح الخسائر العسكرية والاقتصادية والاجتماعية غير قابلة للاحتواء؟
وعندما لم تظهر سريعًا نتائج اقتصادية وسياسية واضحة للتفاهم، وتجددت الضربات الأمريكية في سياق الخلاف حول مضيق هرمز، ازدادت قدرة الاتجاه العسكري–الأمني على التأثير في القرار. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحرس الثوري يتصرف بوصفه كتلة موحدة. فإذا صحت التقارير عن تباينات داخله، فإن المشكلة لم تعد مجرد تنافس بين المدنيين والعسكريين، بل بدأت تقترب من الخلاف على تعريف مصلحة النظام وحدود قدرته على مواصلة الحرب.
ولا تجري هذه الخلافات داخل فراغ مؤسسي أو اجتماعي. فالضربات التي طالت الطاقة والنقل والموانئ، إلى جانب العقوبات وتعطل التجارة، تزيد الضغط على مجتمع يعاني أصلًا من التضخم وتراجع الخدمات ونقص الكهرباء والمياه. ولا يعني اتساع المعاناة أن احتجاجًا شاملًا أو انهيارًا سياسيًا بات وشيكًا، إذ يستطيع النظام توظيف الحرب لتشديد السيطرة وتعبئة جزء من المجتمع حول الدفاع عن البلاد. لكن استمرار الأزمة يضيّق هامش المناورة أمام القيادة، ويجعل الخلاف حول التصعيد مرتبطًا أيضًا بمقدار الكلفة التي يمكن تحميلها للسكان من دون تهديد الاستقرار الداخلي.
وقد تنتج الحرب داخل المجتمع الإيراني اتجاهين متعاكسين. فهي قد تزيد الغضب على النظام بسبب عجزه عن حماية البلاد وتفاقم الأوضاع المعيشية، لكنها قد تعزز في الوقت نفسه المشاعر الوطنية والحساسية تجاه أي تغيير يبدو مفروضًا من الخارج. لذلك لا يمكن افتراض أن إضعاف الدولة عسكريًا سيتحول تلقائيًا إلى حركة شعبية لإسقاط السلطة؛ فقد يؤدي في بعض مراحله إلى تأجيل الصراع الداخلي أو إعادة تشكله بوصفه دفاعًا عن البلاد.
من الضغط إلى احتمال التغيير
أصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت واشنطن قد انتقلت من سياسة تعديل سلوك النظام إلى محاولة إسقاطه. فالضربات لم تعد تقتصر على منشآت نووية أو مخازن صاروخية محددة، بل امتدت إلى الدفاعات الجوية والموانئ والرادارات والجسور وبعض منشآت الطاقة والبنية التحتية. كما أدى استهداف رأس القيادة السابقة وإضعاف المؤسسات العسكرية والأمنية إلى خلق انطباع بأن الهدف يتجاوز التفاوض على البرنامجين النووي والباليستي.
مع ذلك، لا تثبت طبيعة الأهداف العسكرية وحدها أن واشنطن تبنت سياسة متكاملة لتغيير النظام. فقد يكون توسيع الضربات جزءًا من استراتيجية ضغط مكثف تهدف إلى انتزاع تنازلات في مضيق هرمز والملفين النووي والصاروخي. لكن الأثر التراكمي لهذه العمليات يتجاوز تعديل السلوك بالمعنى التقليدي، لأنه يضعف مؤسسات الدولة ويزيد احتمالات الانقسام الداخلي، سواء كان ذلك هدفًا أمريكيًا معلنًا أم نتيجة تقبل بها واشنطن.
من الضروري هنا التمييز بين ثلاثة أهداف: تعديل سلوك النظام، وإضعاف قدرته إلى حد إجباره على قبول شروط أشد، وإسقاطه وبناء سلطة بديلة. تبدو واشنطن اليوم أبعد من الهدف الأول وأقرب إلى الثاني، بينما يبقى الثالث احتمالًا مفتوحًا لا مشروعًا سياسيًا مكتملًا.
فالولايات المتحدة قد ترى أن زيادة الضغط ستدفع بعض مؤسسات الدولة إلى مراجعة خياراتها، أو توسع الخلافات داخل السلطة. لكن هذا يختلف عن امتلاك خطة واضحة لإدارة إيران بعد سقوط النظام أو إنتاج سلطة بديلة تحظى بقبول اجتماعي واسع.
تستطيع الحرب تدمير منشآت عسكرية، وإضعاف مؤسسات أمنية، وإرباك مركز القرار، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام سياسي جديد. وإيران دولة كبيرة ومتعددة القوميات والاتجاهات السياسية والاجتماعية، كما أن المعارضة لا تزال عاجزة عن الاتفاق على تصور مشترك لمستقبل الدولة. هناك من يريد العودة إلى الملكية، ومن يطالب بجمهورية علمانية مركزية، وقوى قومية تسعى إلى الاعتراف بحقوق شعوبها، واتجاهات إصلاحية لا تزال تراهن على تغيير النظام من داخله. وفي غياب حد أدنى من التوافق بينها، قد يؤدي انهيار المركز إلى فراغ واسع بدل انتقال منظم.
ولا يقتصر أثر هذا التشتت على إضعاف فرص الانتقال الداخلي، بل يدخل أيضًا في الحسابات الأمريكية. فغياب قوة منظمة تحظى بقبول ملموس داخل البلاد، وتمتلك تصورًا متفقًا عليه لشكل الدولة وعلاقتها بمكوناتها ومؤسساتها، يجعل إضعاف النظام أسهل من اتخاذ قرار واعٍ بإسقاطه. تستطيع واشنطن زيادة الضغط على السلطة، لكنها لا تستطيع ضمان الجهة التي ستملأ الفراغ إذا انهارت، ولا الاتجاه الذي ستسلكه إيران بعد ذلك.
وهذا يفسر جانبًا من التردد الأمريكي. فالضغط العسكري قد يساعد على انتزاع تنازلات أو تهيئة ظروف تغير داخلي، لكنه لا يضمن أن البديل سيكون أكثر استقرارًا أو أقل عداءً. بل يمكن أن يؤدي تفكك الدولة إلى نزاعات داخلية واضطراب في أسواق الطاقة وموجات لجوء وانتشار السلاح.
لذلك تتحرك واشنطن في منطقة غير واضحة بين إضعاف النظام وإسقاطه. وقد تشجعها مؤشرات الانقسام داخل القيادة الإيرانية على زيادة الضغط، اعتقادًا منها أن النظام أصبح أكثر هشاشة. لكنها قد تجعلها أكثر حذرًا أيضًا، لأن ضعف مركز القرار يثير سؤالًا مباشرًا: مع من يمكن التفاوض، ومن يستطيع ضمان تنفيذ أي اتفاق جديد؟
الخليج: ردع النظام أم تغييره؟
ربما حدث التغير الإقليمي الأكثر وضوحًا في موقف دول الخليج. فقد حاولت هذه الدول خلال السنوات الماضية تخفيف التوتر مع طهران، لأن أي حرب واسعة ستكون أراضيها ومنشآتها النفطية وممراتها الجوية من أول ساحاتها. لكن الهجمات الإيرانية المتكررة على الدول التي تستضيف قواعد أمريكية وضعت العلاقة في سياق مختلف.
تقول إيران إنها تستهدف الوجود العسكري الأمريكي، غير أن الصواريخ والطائرات المسيّرة لا تضرب فراغًا معزولًا، بل دولًا ذات سيادة ومنشآت مدنية يعتمد عليها ملايين السكان، مثل محطات الكهرباء وتحلية المياه والموانئ والمطارات. ولهذا يصعب على الحكومات الخليجية قبول التبرير الإيراني القائل إن الهجمات لا تستهدفها، حتى عندما تكون القواعد الأمريكية هي الهدف المعلن.
لم تعد بعض هذه الدول تكتفي بإدانة الهجمات أو الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية، بل بدأت ترد عسكريًا أو تدرس خيارات ردع أكثر استقلالًا. ويشير ذلك إلى تراجع الحاجز النفسي الذي كان يمنع انتقال المواجهة الخليجية–الإيرانية من الرد غير المباشر إلى العمل العسكري المباشر.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن دول الخليج أصبحت مجمعة على إسقاط النظام الإيراني. فما يبدو أكثر قبولًا لديها هو إضعاف قدرته الصاروخية والعسكرية، ورفع كلفة مهاجمتها، ومنعه من استخدام وجود القواعد الأمريكية ذريعة لنقل الحرب إلى أراضيها.
أما انهيار الدولة الإيرانية فسيحمل مخاطر لا تقل خطورة: موجات لجوء، وفوضى حدودية، واضطرابًا في إمدادات الطاقة، وانتشار جماعات مسلحة، وصراعات داخلية قد تستمر سنوات. ولهذا قد تفضل بعض العواصم الخليجية وجود سلطة إيرانية ضعيفة ومقيدة على سقوط شامل لا يمكن التنبؤ بنتائجه.
غير أن استمرار الهجمات على منشآتها قد يغير هذا الحساب تدريجيًا. فإذا أصبحت كلفة بقاء النظام بسلوكه الحالي أعلى من مخاطر تغييره، فقد تنتقل بعض الدول من تأييد ردعه إلى قبول فكرة التغيير، أو على الأقل إلى عدم معارضتها. لكن هذا التحول لم يكتمل بعد، ولا يوجد ما يكفي للحديث عن إجماع خليجي على إسقاط النظام.
تركيا ومخاطر انهيار التوازن
تقف تركيا في موقع مختلف. فهي لا ترى في صعود إيران العسكري مصلحة لها، لكنها لا تريد انهيار الدولة الإيرانية أو تحول إسرائيل إلى القوة الإقليمية الأكثر تفوقًا من دون موازن. وتشترك تركيا مع إيران في حدود طويلة وعلاقات اقتصادية وملفات أمنية حساسة، وفي مقدمتها المسألة الكردية واحتمال انتقال الفوضى والسلاح واللاجئين إليها.
ولهذا تميل أنقرة إلى حماية استقرار الدولة الإيرانية، حتى وهي تختلف مع سياساتها في سوريا والعراق والقوقاز. وقد رحبت بمذكرة التفاهم، وحاولت إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، واتهم الرئيس رجب طيب أردوغان إسرائيل بالسعي إلى تقويض الاتفاق.
لكن هذا الموقف لا يعني انحيازًا تركيًا كاملًا إلى إيران. أنقرة تريد منع الحرب أكثر مما تريد الدفاع عن النظام الإيراني، كما تسعى إلى تثبيت نفسها وسيطًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه. وهي تدرك أن تسوية تصوغها الولايات المتحدة وإسرائيل وحدهما قد تنتج توازنًا جديدًا يقلص موقعها، ولذلك تصر على مشاركة دول المنطقة في أي اتفاق دائم.
وقد تمنح الأزمة تركيا فرصًا لتوسيع دورها السياسي وتحسين علاقتها الدفاعية مع واشنطن، لكنها تضعها أيضًا أمام مخاطر جدية. فإذا ضعفت إيران كثيرًا، قد يتوسع النفوذ الإسرائيلي في المشرق والخليج. وإذا انهارت، قد تواجه تركيا فراغًا أمنيًا طويلًا على حدودها، وموجات نزوح، واتساعًا في نشاط الجماعات المسلحة، وتحولات في المسألة الكردية لا تستطيع التحكم بها بسهولة.
أما إذا بقي النظام وخرج من الحرب أكثر تشددًا، فقد تعود المنافسة التركية–الإيرانية في العراق وسوريا والقوقاز بصورة أكثر حدة. لذلك سيكون الموقف التركي محكومًا بمحاولة منع الحسم الكامل لأي طرف، والدفع نحو تسوية تحفظ الدولة الإيرانية وتحد في الوقت نفسه من قدرتها على تهديد جيرانها.
القوى الدولية وحدود التأثير
لا تتحرك المواجهة بمعزل عن القوى الدولية الأخرى. فالصين، بوصفها مستوردًا رئيسيًا للطاقة وشريكًا اقتصاديًا لإيران، تريد منع انهيار الإمدادات واتساع الاضطراب في هرمز، من دون الانخراط في مواجهة مع واشنطن. وهي قادرة على توفير متنفس اقتصادي وسياسي محدود لطهران، لكنها لا تبدو مستعدة لتحمل كلفة حمايتها عسكريًا.
أما روسيا فقد تستفيد سياسيًا من انشغال الولايات المتحدة في جبهة جديدة واستنزاف مواردها واهتمامها، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة أو الرغبة في إنقاذ إيران من نتائج الحرب. فالعلاقة بين البلدين تقوم على تقاطع مصالح أكثر مما تقوم على تحالف يفرض التزامًا دفاعيًا كاملًا.
وتدفع الدول الأوروبية نحو حرية الملاحة والعودة إلى المفاوضات ومنع انهيار نظام الرقابة النووية، لكنها تفتقر إلى الأدوات التي تمكنها من فرض تسوية مستقلة على واشنطن أو طهران. لذلك تستطيع هذه القوى زيادة كلفة الحرب، أو تسهيل الوساطة، أو تخفيف بعض آثار العزلة الإيرانية، لكنها لا تملك حتى الآن إعادة صياغة مسار المواجهة بمفردها.
كما يشكل النفط أحد الضغوط الرئيسية على جميع الأطراف. فاستمرار اضطراب الملاحة وارتفاع الأسعار قد يزيد الضغط على الإدارة الأمريكية، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الداخلية، لكنه يمنح إيران في المقابل قدرة على إيذاء الاقتصاد العالمي حتى وهي تتعرض لحصار صادراتها. وهكذا يتحول هرمز مرة أخرى إلى نقطة يلتقي عندها العسكري بالاقتصادي، ويصبح ضبط الحرب مرتبطًا بما تستطيع الأسواق والدول المستوردة للطاقة تحمله.
حرب بلا نهاية متفق عليها
تبدو الأزمة الراهنة أبعد من أن تُختصر في مواجهة حول برنامج نووي أو خلاف على مضيق بحري. إنها صراع على شكل النظام الإقليمي الذي سيأتي بعد الحرب، وصراع داخل إيران على الجهة التي تملك حق إدارة هذه الحرب وتعريف حدودها.
تريد الولايات المتحدة إيران عاجزة عن تهديد الملاحة وتطوير سلاح نووي وفرض نفوذها عبر الصواريخ والحلفاء. وتريد إسرائيل تثبيت تفوقها ومنع إيران من استعادة قدرتها العسكرية. وتسعى دول الخليج إلى حماية أراضيها ومنشآتها، لكنها لا تزال مترددة أمام نتائج الانهيار الإيراني. أما تركيا فتريد توازنًا يمنع الهيمنة الإسرائيلية والفوضى الإيرانية معًا. وتحاول الصين وروسيا والدول الأوروبية الحد من الأضرار أو توظيف الأزمة، من دون امتلاك القدرة على فرض نهايتها.
في المقابل، تحاول إيران الاحتفاظ بما يكفي من القوة كي لا تتحول التسوية إلى استسلام مؤجل، في وقت لم يعد واضحًا فيه أن جميع مراكز القرار داخلها تتفق على كيفية تحقيق ذلك. قد تكون هناك وحدة حول هدف بقاء النظام، لكن هذه الوحدة لا تنفي وجود خلاف متزايد حول الوسائل، وحدود التصعيد، والجهة التي تملك حق تحديدهما.
ولهذا قد تستمر المواجهة حتى إذا عادت المفاوضات. فالمشكلة لا تكمن في غياب وثيقة جديدة فقط، بل في غياب تصور مشترك لما ينبغي أن تنتهي إليه الحرب، وفي تزايد الشكوك حول قدرة مراكز القرار الإيرانية على الالتزام بتصور موحد وتنفيذه.
قد ينجح الوسطاء في التوصل إلى وقف جديد للنار، أو إعادة فتح بعض مضيق هرمز، أو تخفيف بعض الضربات. لكن أي تفاهم لا يحسم العلاقة بين أمن الملاحة والسيادة الإيرانية، ولا يضع ترتيبات قابلة للتنفيذ للبرنامجين النووي والصاروخي، ولا يعالج موقع إسرائيل ودول الخليج ولبنان، سيبقى معرضًا للانهيار عند أول اختبار.
لا يبدو إسقاط النظام الإيراني نتيجة حتمية، كما لم يعد بقاؤه بصورته السابقة أمرًا مضمونًا. وبين الاحتمالين مساحة واسعة قد تشهد مزيدًا من الإضعاف العسكري والضغط الاقتصادي والتنافس داخل السلطة، من دون انتقال سياسي واضح.
وهذا ربما يكون أخطر ما في المرحلة الحالية: أن تمتلك الحرب قدرة كبيرة على تفكيك التوازن القائم، من دون أن يمتلك أي طرف حتى الآن تصورًا مقنعًا وقابلًا للحياة للتوازن الذي سيحل محله.
20 تموز/ يوليو 2026