محي الدين حاجي
في أقصى سوريا (روجافا- الجزيرة )، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة، تعيش سكان أراضيها الخصب على وقع غليان صامت يُهدد بابتلاع ما تبقى من أراضيها الزراعية. ليست المعركة الجارية اليوم وليدة الصدفة، بل هي امتداد لسياسات تعريب وتغيير ديموغرافي ممنهج بدأت منذ عقود، وتستمر اليوم بأدوات معاصرة باسم الجمعيات التعاونية ورأس المال (المغتربين).وقد شكلت المنطقة بخصوصيتها القومية الكردية هدفاً تاريخياً لسياسات الإقصاء والتجريد الاقتصادي التي انتهجتها السلطات السورية عبر حزمة من المشاريع والقوانين الجائرة؛ بطمس الهوية الجغرافية من خلال استبدال الأسماء الكردية التاريخية لعشرات القرى والبلدات بأسماء عربية في السجلات الرسمية لمحوها من الذاكرة القومية. تلا ذلك استغلال قوانين الإصلاح الزراعي لانتزاع الملكيات الكبيرة من الملاكين الكرد الفعليين، وبخلاف ما نصت عليه القوانين، رُفض توزيع “المساحات الزائدة” على الفلاحين الأكراد المحليين أصحاب الأرض الحقيقيين، بل جرى تجميدها وتحويل مساحات شاسعة منها إلى “مزارع دولة” تابعة للسلطة، أو نقل ملكيتها وإلحاقها بوزارة الدفاع السورية تحت ذريعة “المناطق الحدودية والأمنية”. وتزامن ذلك مع اقتطاع أجزاء واسعة من هذه الأراضي الخصبة وتوزيعها على العشائر العربية الوافدة من الرقة وحلب والذين عُرفوا محلياً بـ “المغموريين” بعد أن غُمرت قراهم بمياه سد الفرات وبدل ان يتم تعويضهم في مناطقهم ، وذلك في سياق تطبيق مشروع “الحزام العربي” ، والذي توازى مع حرمان آلاف العائلات الكردية من حق تملك العقارات نتيجة إحصاء عام 1962 الاستثنائي الذي جردهم من جنسيتهم وجعلهم أجانب ومكتومين في أرض أجدادهم.وتسليم قسم من الأراضي الى شركات خاصة (كشركة نماء والبركة) فيما بعد.
أمام هذه السياسات الجائرة، لم يستسلم أبناء الجزيرة؛ فمع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شهدت المنطقة حراكاً سياسياً واجتماعيا لافتاً للمطالبة بتوزيع الأراضي على المحرومين ، حيث قادت الحركة السياسية الكردية ، جنباً إلى جنب مع الحزب الشيوعي حينها ، جبهة مطلبية واسعة تدافع عن حقوق الفلاحين المحرومين من الأرض. وتركزت مطالبات هذا الحراك المشترك على المطالبة بتشكيل لجان متخصصة لكل قرية على حدة، تُعنى بالإشراف المباشر والمحايد على حصر الأراضي ، لضمان وصول الحقوق للفلاحين المحليين بدلاً من وهبها للوافدين من خارج المنطقة او استملاكها لصالح الدولة، والضغط من أجل حصر الفائض الفعلي والأراضي الزائدة لدى الملاكين الكبار وتوزيعها على معدمي الحال من أبناء القرى، ووقف استغلال السلطة لقوانين الإصلاح الزراعي كذريعة لتنفيذ أجندات أمنية وسياسية تحت مسمى مزارع الدولة. ورغم قوة ذلك الحراك والتفاف الأهالي حوله، إلا أن القبضة الأمنية للنظام التفت عليه وأجهضت تلك المحاولات، لتبقى أراضي الجزيرة رهينة لقرارات التجريد ومصادرة الحقوق المعيشية.واليوم ورغم تبدل الخارطة السياسية وتغير القوى المسيطرة على الأرض، إلا أن الجرح القديم لم يندمل، أن المشاريع ذاتها ما زالت مستمرة بحق أبناء المنطقة، ولكن بأدوات معاصرة عبر عمليات استملاك واسعة النطاق تجري بشكل خفي. وتستهدف هذه العمليات بالدرجة الأولى تلك التركات الثقيلة من الماضي المتمثلة في أراضي مزارع الدولة، الأراضي التابعة لوزارة الدفاع، المساحات الزائدة للملاكين القدامى التي لم تُوزع، وحتى الأراضي التي كان قد تم توزيعها سابقاً على الوافدين المغمورين بحجة البيع والشراء. وفي هذا السياق، ، حيث يجري الان ومن تفاهمات وضع اليد على هذه الأراضي وإعادة استملاكها أو استثمارها بأسماء شخصيات من خلال البيع والشراء الوهمي ، ويمر ذلك عبر قنوات إدارية ودوائر عقارية مستغلة حالة الفوضى القانونية وغياب الرقابة المستقلة لإرساء واقع عقاري جديد وجائر.إن التلاعب بأراضي المنطقة طعنة للعدالة والحقوق ومحاولة متجددة لتهجيرهم وتجريدهم من مقومات بقائه. ويأتي هذا التلاعب بالعقارات في ظل واحدة من أخطر المشاكل التي تواجه المنطقة وهي الهجرة الواسعة والنزيف المستمر لفئة الشباب نحو الخارج والغلاء المعيشي وقلة المواد والخدمات الضرورية من ماء وكهرباء، أن غياب شبه الكامل للجيل الشاب يترك ما تبقى من السكان وغالبيتهم من كبار السن والنساء وحيدين في مواجهة ما يُفرض عليهم كـ “أمر واقع” تصعب مقاومته قانونياً أو ميدانياً. أن استمرار نهج الاستملاك وتجاهل مطالب السكان قد يؤدي في أي لحظة إلى ازمة ثقة بين الإدارة والشعب ، والانزلاق نحو تصادمات ومواجهات مباشرة بين أصحاب الأرض الحقيقيين والواجهات أو الشركات او الاشخاص المستفيدة حديثاً، إن ما يحدث في أراضي الجزيرة ليس مجرد خلاف عقاري بسيط، بل هو استمرار لنهج بنيوي يستهدف الهوية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، وهو ما يدفع أبناء الجزيرة للمطالبة بضرورة فتح ملف الملكية العقارية بشفافية، وتجميد وإلغاء كافة عقود الاستملاك والاستثمار الخفية الصادرة لصالح شركات وأشخاص ، مع تشكيل لجان تحقيق قانونية محلية ومستقلة لمراجعة السجلات العقارية والقرارات الصادرة منذ عام 1962 وحتى اليوم لإعادة الحقوق لأصحابها، داعين القوى السياسية الوقوف أمام مسؤولياتها لوقف النزيف الديموغرافي وحماية المنطقة قبل فوات الأوان ولكي لا يكون هناك حزام عربي بنكهة كردية.