حسن قاسم
ليست السياسة الدولية عملاً خيرياً، ولا تُمنح التحولات الكبرى بالمجان. ومن الصعب الاعتقاد أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب مستعدة لمنح الرئيس السوري أحمد الشرع فرصة تثبيت سلطته وإعادة تأهيل سوريا دولياً من دون مقابل سياسي وأمني.
في هذا السياق، تتزايد التكهنات حول حجم الضغوط الأمريكية على دمشق لاتخاذ موقف أكثر صدامية تجاه حزب الله، في إطار مشروع أوسع لإعادة رسم موازين القوى في المشرق وإضعاف النفوذ الإيراني. وإذا صحّ أن هذه الضغوط تتجه نحو دفع سوريا إلى مواجهة مباشرة مع الحزب، فإن الرئيس السوري يجد نفسه أمام أحد أصعب الاختبارات منذ وصوله إلى السلطة.
فحزب الله ليس تنظيماً يمكن التعامل معه باعتباره هدفاً سهلاً، بل يمتلك خبرة عسكرية وشبكات نفوذ إقليمية معقدة. وأي مواجهة معه قد لا تبقى محصورة داخل الحدود السورية، بل قد تفتح الباب أمام سلسلة من ردود الفعل يصعب احتواؤها، بدءاً من فصائل عراقية حليفة لإيران، مروراً بالحرس الثوري الإيراني، ووصولاً إلى جماعة أنصار الله في اليمن، فضلاً عن احتمال تحرك مجموعات موالية للنظام السابق إذا رأت في الفوضى فرصة للعودة إلى المشهد.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالرئيس أحمد الشرع يسعى إلى تثبيت أركان الدولة المنهكة وإعادة بناء المؤسسات واستعادة الاقتصاد، بينما قد تجره أي مغامرة عسكرية إلى استنزاف سياسي وأمني لا تحتمله سوريا في هذه المرحلة.
في المقابل، يدرك الشرع أن رفض المطالب الأمريكية بالكامل قد يعرضه لخسارة الدعم السياسي والاقتصادي الذي تحتاجه حكومته بشدة، ما يجعله عالقاً بين خيارين أحلاهما مر: الاستجابة لضغوط قد تقود إلى حرب إقليمية، أو رفضها مع ما قد يترتب على ذلك من عزلة وضغوط جديدة.
يبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الشرع هامش المناورة الكافي للإفلات من هذا الفخ؟ أم أن توازنات المنطقة ستفرض عليه خيارات لم يكن يرغب بها؟
الإجابة لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط داخل دمشق، بل أيضاً في واشنطن وطهران وتل أبيب وبيروت، حيث تتقاطع المصالح وتتصادم المشاريع. وفي مثل هذه اللحظات، قد يكون القرار الأصعب هو تجنب الحرب، لا خوضها.
لقد أثبت تاريخ الشرق الأوسط أن الحروب تبدأ بقرار سياسي، لكنها نادراً ما تنتهي وفق حسابات من أشعلها. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع ليس: هل ستندلع المواجهة؟ بل: من سيكون قادراً على إيقافها إذا خرجت عن السيطرة؟