الرئيس مسعود بارزاني وقيادة إقليم كوردستان… تجربة سياسية صنعت الإنجاز وألهمت الحركة القومية الكوردية

عبد الرحمن حبش

 

في تاريخ الشعوب، لا تقاس مكانة القيادات بعدد السنوات التي قضتها في العمل السياسي، بل بما حققته من إنجازات، وما تركته من أثر في مسيرة شعوبها. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة الرئيس مسعود بارزاني وقيادة إقليم كوردستان بوصفها واحدة من أهم التجارب السياسية الكوردية المعاصرة، إذ نجحت في الجمع بين النضال القومي، وبناء المؤسسات، وإدارة العلاقات الإقليمية والدولية، وتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية ودستورية عززت مكانة إقليم كوردستان على المستويين الإقليمي والدولي.

لقد أثبتت قيادة إقليم كوردستان أن العمل السياسي الناجح لا يقوم على ردود الأفعال أو الشعارات، بل على رؤية استراتيجية، ووحدة القرار، والعمل المؤسساتي، والانفتاح على العالم. وبفضل هذه السياسة، أصبح الإقليم نموذجا في الأمن والاستقرار والتنمية، وأصبحت أربيل مركزا للحوار السياسي والدبلوماسي، تستقبل الوفود الدولية والإقليمية، وتؤدي دورا مهما في تقريب وجهات النظر بشأن العديد من قضايا المنطقة.

وكان للرئيس مسعود بارزاني دور محوري في ترسيخ هذا الحضور، إذ حمل القضية الكوردية إلى المحافل الدولية، ودافع عنها بالحوار والدبلوماسية، مؤمنا بأن الحقوق القومية تعزز بالعمل السياسي المنظم، وبناء العلاقات، وكسب الدعم الدولي، إلى جانب صمود الشعب وتضحياته.

ولم يقتصر هذا الدور على إقليم كوردستان، بل امتد إلى مختلف أجزاء كوردستان، وفي مقدمتها  (كوردستان سوريا). فقد أكد الرئيس مسعود بارزاني في مناسبات عديدة أهمية وحدة الصف الكوردي، ودعم الحوار بين القوى السياسية الكوردية، انطلاقا من قناعة بأن الانقسام يضعف القضية، بينما يمنحها التوافق والوحدة قوة أكبر في مواجهة التحديات.

ومن هنا، فإن الحركة السياسية الكوردية في سوريا مدعوة اليوم إلى الاستفادة من هذه التجربة الغنية، ليس من باب التقليد، وإنما من باب التعلم من تجربة أثبتت نجاحها عبر عقود من النضال والثورات والتضحيات. فقد تمكن الرئيس مسعود بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني من تحويل المسيرة النضالية إلى مشروع سياسي ومؤسساتي، حقق مكاسب تاريخية لشعب كوردستان، ورسخ حضور القضية الكوردية على المستويين الإقليمي والدولي.

إن الواقع السياسي الكوردي في سوريا يحتاج اليوم إلى مراجعة جادة، وإلى تجاوز الخلافات والانقسامات التي استنزفت طاقات الحركة السياسية، وأضعفت قدرتها على انتزاع الحقوق القومية. فالمرحلة الحالية تتطلب خطابا سياسيا موحدا، ورؤية استراتيجية واضحة، وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما يخدم مصلحة الشعب الكوردي ومستقبله.

لقد أثبتت تجربة الرئيس مسعود بارزاني أن القيادة الناجحة تبنى على الحكمة، والصبر، والواقعية السياسية، والثبات على المبادئ، مع المرونة في إدارة المتغيرات. وهذه الدروس تشكل رصيداً سياسيا يمكن للحركة الكوردية في سوريا أن تستفيد منه في بناء مشروع وطني وقومي أكثر تماسكاً وفاعلية.

إن مستقبل القضية الكوردية في سوريا لن يصنع بالانقسام أو بتغليب المصالح الحزبية الضيقة، وإنما بوحدة الصف، واحترام التعددية، والعمل المؤسساتي، والاستفادة من التجارب الكوردستانية الناجحة. وتجربة الرئيس مسعود بارزاني وقيادة إقليم كوردستان تمثل، بالنسبة لكثيرين، واحدة من أبرز هذه التجارب التي تستحق الدراسة والاستفادة منها، بما يسهم في تعزيز الحضور السياسي الكوردي والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الكوردي ضمن رؤية تقوم على الحوار والشراكة والاستقرار.

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…