كوباني ليست اسماً عابراً… بل هوية لا تغير

الدكتور عدنان بوزان

 

منذ وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة في دمشق، برزت مؤشرات سياسية متزايدة توحي بأن النهج المتبع لا يتجه نحو بناء دولة سورية جديدة تقوم على الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية، بل يميل إلى إعادة إنتاج السياسات المركزية التي ثار السوريون ضدها عام 2011. وكأن الثورة لم تكن مشروعاً لتغيير بنية الدولة الاستبدادية، بل مجرد طريق أوصل سلطة جديدة إلى الحكم، مع الإبقاء على العقلية ذاتها وأدواتها، وإن اختلفت الأسماء والشعارات.

لقد رفعت، في بداية المرحلة الجديدة، شعارات الدولة الجامعة والمصالحة الوطنية، غير أن الممارسة السياسية سارت في اتجاه مغاير. ففي كل مرة يفتح فيها ملف داخلي، يجري تقديمه للرأي العام بوصفه معركة للدفاع عن وحدة البلاد، بينما تتحول مطالب المكونات السورية وحقوقها الدستورية والثقافية إلى اتهامات جاهزة بالانفصال أو تهديد وحدة الدولة.

شهدنا ذلك في الساحل السوري تحت عنوان ملاحقة فلول النظام السابق، ثم في السويداء عبر اتهام أهلها بالسعي إلى تقسيم سوريا أو رفض هوية الدولة، وثم تكرر المشهد نفسه في المناطق الكوردية شرق الفرات، حيث يعاد إنتاج الخطاب التقليدي الذي يصور الكورد على أنهم مشروع انفصالي، رغم أن الوقائع السياسية تشير إلى أن القوى الكوردية أعلنت استعدادها للحوار، وأبدت مرونة كبيرة في الانخراط في عملية سياسية سورية، انطلاقاً من مبدأ الشراكة، وبما يحفظ وحدة البلاد ويصون في الوقت ذاته حقوق جميع مكوناتها.

غير أن أخطر ما يجري اليوم لا يقتصر على الخلافات السياسية، بل يتعداها إلى استهداف الهوية الثقافية والرموز التاريخية للشعوب. فبعد إقصاء اللغة الكوردية من بعض اللافتات والمؤسسات الرسمية في الحسكة، ومنها اقتصار لوحات المحاكم على اللغتين العربية والإنكليزية، جاء القرار المتعلق بإعادة اعتماد اسم عين العرب بدلاً من كوباني، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً ورفضاً شعبياً بين أبناء المدينة.

إن اسم كوباني ليس اسماً طارئاً، ولا شعاراً حزبياً، ولا تسمية ارتبطت بمرحلة سياسية عابرة حتى يجري استبدالها بقرار إداري. إنه اسم تاريخي رافق المدينة منذ نشأتها، وأصبح جزءاً أصيلاً من ذاكرتها الجماعية وهويتها الثقافية والوجدانية. ولذلك، فإن أي محاولة لفرض تسمية أخرى لا تفهم لدى أبناء المدينة إلا بوصفها محاولة للمساس بأحد أبرز رموز وجودهم التاريخي والثقافي.

إن احترام الأسماء التاريخية للمدن ليس امتيازاً تمنحه سلطة لشعب، بل هو حق ثقافي ومعنوي أصيل، وجزء لا يتجزأ من احترام التنوع القومي والثقافي الذي تقوم عليه الدول الحديثة. فالدول الديمقراطية لا تبني وحدتها على إنكار الهويات، بل على الاعتراف بها وصونها ضمن إطار المواطنة المتساوية.

لقد عبر أهالي كوباني عن موقفهم بوضوح من خلال خروجهم في مظاهرات سلمية رفضاً لتغيير اسم مدينتهم، مؤكدين أن كوباني ليست مجرد رقعة جغرافية أو وحدة إدارية، بل رمز تاريخي وثقافي وإنساني يرتبط بذاكرة أجيال متعاقبة. ومن هنا، فإن هذا الصوت الشعبي يستحق أن يحترم، لأنه يعبر عن الإرادة الحقيقية لسكان المدينة، لا عن موقف سياسي عابر.

وفي المقابل، فإن أي جهة سياسية، مهما كان حجمها أو موقعها، لا تملك تفويضاً أخلاقياً أو سياسياً للتنازل عن الرموز الوطنية والثقافية للشعب الكوردي، أو التفاوض عليها تحت أي ظرف. فالهوية ليست بنداً في اتفاق سياسي، ولا ورقة قابلة للمساومة على طاولة المفاوضات، بل هي حق تاريخي وثقافي لا يسقط بالتقادم ولا يخضع لموازين القوى.

وانطلاقاً من ذلك، أعلن موقفي بوضوح، وأضم صوتي إلى صوت أبناء كوباني الذين خرجوا دفاعاً عن اسم مدينتهم وتاريخها وهويتها، وأؤكد رفضي القاطع لأي قرار يستهدف تغيير اسم كوباني أو المساس برمزيتها التاريخية والثقافية. فاحترام هوية الشعوب يشكل الأساس الحقيقي لوحدة سوريا واستقرارها، أما فرض التسميات، وإنكار الخصوصيات الثقافية، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإعادة إنتاج السياسات التي أثبت التاريخ فشلها.

إن سوريا الجديدة لا يمكن أن تبنى بتكرار أخطاء الماضي، ولا بإحياء سياسات الإنكار والإقصاء، بل بالاعتراف المتبادل بين جميع مكوناتها، واحترام تاريخها ولغاتها وثقافاتها ورموزها. فالوحدة الوطنية لا تفرض بإلغاء الهويات، وإنما تصان بالعدالة والشراكة والاعتراف المتبادل.

ومن هنا، فإن كوباني ستبقى كوباني في وجدان أهلها، وفي ذاكرتهم الجمعية، وفي تاريخهم، مهما تبدلت الحكومات، وتعاقبت السلطات، وتغيرت القرارات.

 

11 تموز 2026

 

شارك المقال :

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد زاويتي بين أصعب حكومة وأكبر حصيلة إنجاز.. لماذا تستحق تجربة مسرور بارزاني التقييم بميزان مختلف؟ من السهل الحكم على الحكومات من خلال ما أنجزته، لكن الإنصاف يقتضي أن يُنظر أيضاً إلى الظروف التي عملت فيها، فليست كل الحكومات تبدأ من نقطة واحدة، ولا تواجه التحديات ذاتها، وإذا كان النجاح يقاس بحجم الإنجاز مقارنة بحجم العقبات، فإن…

د. حمدي سنجاري يمر العراق اليوم بمرحلة دقيقة، تتشابك فيها التحديات الاقتصادية مع المتغيرات الإقليمية، وتتقاطع فيها حسابات السياسة مع هموم المواطن اليومية. في مثل هذه المراحل، لا تُقاس القيادة بكثرة الخطابات أو حدّة المواقف، بل بقدرتها على الحفاظ على الاستقرار، وفتح الطريق أمام التنمية، وبناء الثقة بغدٍ أفضل. وهنا بالتحديد، تستحق تجربة رئيس حكومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، أن…

حسن قاسم ليست السياسة الدولية عملاً خيرياً، ولا تُمنح التحولات الكبرى بالمجان. ومن الصعب الاعتقاد أن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب مستعدة لمنح الرئيس السوري أحمد الشرع فرصة تثبيت سلطته وإعادة تأهيل سوريا دولياً من دون مقابل سياسي وأمني. في هذا السياق، تتزايد التكهنات حول حجم الضغوط الأمريكية على دمشق لاتخاذ موقف أكثر صدامية تجاه حزب الله، في إطار مشروع…

عبد الرحمن حبش   في تاريخ الشعوب، لا تقاس مكانة القيادات بعدد السنوات التي قضتها في العمل السياسي، بل بما حققته من إنجازات، وما تركته من أثر في مسيرة شعوبها. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة الرئيس مسعود بارزاني وقيادة إقليم كوردستان بوصفها واحدة من أهم التجارب السياسية الكوردية المعاصرة، إذ نجحت في الجمع بين النضال القومي، وبناء المؤسسات، وإدارة العلاقات…