أكرم محمد
في المنعطفات التاريخية الكبرى، تتمايز المواقف وتنكشف النوايا الحقيقية للفاعلين السياسيين؛ وما يشهده إقليم كردستان العراق اليوم من تجاذبات سياسية حادة عقب الإعلان الرسمي عن “تحالف التوازن والازدهار” بين رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني وزعيم حراك الجيل الجديد شاسوار عبد الواحد، لا يمكن تصنيفه ضمن سياق المنافسة الديمقراطية الطبيعية. بل إن القراءة العميقة للوقائع والوثائق، والشهادات الحية للمنشقين من داخل هذا التكتل، تؤكد أننا أمام مخطط ممنهج وتآمر صريح يستهدف إجهاض المكتسبات القومية والدستورية للإقليم وتفتيت بنيته السياسية والاقتصادية والأمنية لصالح أجندات خارجية ومصالح تجارية وشخصية ضيقة.
أكبر الضربات التي تعرّي حقيقة هذا التحالف وتكشف زيف شعاراته “الإصلاحية” جاءت من أهل البيت أنفسهم. فبالتزامن مع توقيع الاتفاق في السليمانية، شهد حراك “الجيل الجديد” موجة استقالات جماعية عاصفة شملت مكاتب الحركة وقادتها في أربيل وكرميان ومناطق أخرى. في مؤتمر صحفي عاصف، خرج “سيبور منتك” (مدير مكتب حركة الجيل الجديد المستقيل في أربيل) ليعلن للرأي العام الحقيقة المرة: شاسوار عبد الواحد لم يوقع هذا الاتفاق بدافع إنقاذ المواطن الكردي أو الدفاع عن حقوقه، بل أبرم “صفقة تجارية وشخصية بحتة” تمت هندستها برعاية أطراف مقربة من الفصائل المسلحة وحركة بابليون في بغداد. بموجب هذا الاتفاق، قام عبد الواحد برهن أصوات ومقاعد حركته الـ (15 مقعداً) ليصبح مجرد “تابع وكادر مخلص” لأجندة الاتحاد الوطني الكردستاني، مقابل ثمن باهظ ومخزٍ: إغلاق الملفات القانونية والجنائية العالقة بحقه، وتصفية وإعفاء مشاريعه الاستثمارية الخاصة (مثل مشروع چاڤيلاند) من ديون مالية ضخمة وعشرات الملايين المستحقة لوزارة الكهرباء والبلديات، فضلاً عن تسوية حقوق المساهمين المغبونين
وقد وصف المنسق المستقيل في كرميان، بشدار سنكاوي، هذا التكتل بأنه “تبعية مقنعة وتلمذة سياسية تبيع تضحيات الناخبين في سوق المزاد الحزبي”.
تعتمد الإستراتيجية السياسية للتحالف الجديد على قاعدة خطيرة: “إما أن نحكم أو نحرق المعبد”. من هنا، تكمن خطتهم المباشرة في استخدام كتلتهم النيابية المجمعة (38 مقعداً) لفرض شروط تعجيزية ومطالب غير واقعية تتمثل في الاستحواذ على 50% من الحقائب السيادية ومقعد رئاسة الحكومة، وهي شروط صيغت بدقة لعلمهم المسبق بأن الحزب الديمقراطي الكردستاني (الكتلة الأكبر بـ 39 مقعداً) سيرفضها. الهدف الحقيقي من وراء هذا التعجيز ليس المشاركة في الحكم, بل المأسسة المتعمدة للانسداد السياسي واستمرار تجميد برلمان الإقليم وعرقلة تشكيل الحكومة الجديدة لأطول فترة ممكنة. هذا الفراغ الدستوري المفتعل يراد منه إرسال رسالة مشبوهة إلى المجتمع الدولي والقوى الإقليمية مفادها أن إقليم كردستان “كيان فاشل وعاجز عن إدارة مؤسساته”، مما يمنح الشرعية والغطاء القانوني للمحكمة الاتحادية والحكومة المركزية في بغداد للتدخل المباشر وقضم الصلاحيات الدستورية للإقليم وإنهاء خصوصيته السياسية.

ومن أخطر بنود الاتفاق المكتوب بين طالباني وعبد الواحد، ذلك البند الذي ينص صراحة على ربط ملف رواتب موظفي الإقليم والموازنة بالمحكمة الاتحادية والمركز في بغداد مباشرة وبشكل دائم. في الوقت الذي ناضل فيه الشعب الكردي لعقود لتحقيق الاستقلال الاقتصادي والمالي كركيزة أساسية للحكم الذاتي، يأتي هذا التحالف ليستخدم أزمة الرواتب ومعاناة المواطنين كـ “حصان طروادة” لتسليم كافة مفاتيح الصلاحيات النفطية والمالية السيادية للإقليم إلى مركز القرار في بغداد. هذا الإجراء لا يحل الأزمة الاقتصادية بنيوياً، بل يجرد كردستان تدريجياً من حقه الدستوري الفيدرالي، ويحوله عملياً ومستقبلياً إلى مجرد “أربع محافظات عراقية عادية” خاضعة بالكامل لإملاءات ومزاجيات القوى السياسية في المركز، وهو التراجع الأكبر عن المكتسبات القومية منذ عام 1992.
ورغم محاولات التبرير الدبلوماسية، فإن المخطط الميداني للتحالف يسير بخطى متسارعة نحو تكريس الانفصال المالي والأمني والإداري “أمر واقع” بين زون السليمانية وحلبجة وزون أربيل ودهوك. إن مأسسة هذا الانقسام الجغرافي تمثل الطعنة الأكثر إيلاماً في خاصرة الأمن القومي الكردي فالتاريخ القريب والبعيد يثبت أن تفكيك الجبهة الكردية الداخلية وتوزيعها إلى معسكرين متناحرين هو الحلم الأزلي لكل خصوم الكرد وأعدائهم التاريخيين؛ حيث يسهل اختراق الكيان وهو منقسم، ويصبح من السهل على القوى الإقليمية والمحلية التحكم بقراره السياسي والعبث بأمنه القومي وتصفية حساباتها على أرضه.
إن النوايا الإقصائية لهذا التحالف لم تتوقف عند استهداف الحزب المنافس، بل امتدت لتضرب مفهوم التوافق الوطني والشراكة الحقيقية في الإقليم. فقد أعلنت قوى تركمانية ومسيحية أصيلة (وفي مقدمتها حزب الإصلاح التركماني) مقاطعتها الرسمية وإدانتها الشديدة لمراسم توقيع هذا الاتفاق، مؤكدة أن هذه التكتلات الضيقة والمنفردة تهدف لتعميق الجفاء وزيادة الانقسامات المجتمعية بدلاً من ترتيب البيت الكردستاني. هذا السلوك يعكس رغبة واضحة في صياغة مستقبل الإقليم بعيداً عن مبدأ العيش المشترك، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي الذي طالما تميز به الإقليم.
إن القناع الساحر الذي حاول تحالف “طالباني – عبد الواحد” ارتداءه تحت مسميات “الازدهار والتوازن” قد سقط سريعاً أمام صخرة الحقائق الدامغة والاستقالات المدوية. لقد تبيّن للقاصي والداني أن هذا التكتل ليس مشروعاً وطنياً لبناء كردستان، بل هو تحالف انتقامي وتجاري؛ تلتقي فيه رغبة قيادة الاتحاد الوطني في الهيمنة السياسية المطلقة، مع غايات رئيس الجيل الجديد الشخصية لتصفية حساباته المالية والجنائية، والثمن المستهدف في هذه المقايضة هو الكيان الفيدرالي القومي لإقليم كردستان.
الشارع الكردستاني اليوم، بمختلف أطيافه وقواه القومية والوطنية، يقف أمام مسؤولية تاريخية لكشف هذه الخطط ومواجهتها عبر الأطر الدستورية والقانونية، لضمان الحفاظ على كيان الإقليم الذي تحقق بدماء آلاف الشهداء وتضحيات أجيال متعاقبة، ولن يسمح بأن تتحول المكتسبات القومية إلى أوراق ضغط ومساومة في سوق الصفقات الشخصية المشبوهة.