لاوين ابراهيم
عندما بدأت جرافات الهدم بإزالة مبنى بلدية القامشلي، شعر كثير من أبناء المدينة، على سبيل المفارقة، بأن أول من خضع للمحاسبة لم يكن الإدارة التي أدارت هذا المرفق طوال السنوات الماضية، بل المبنى نفسه. وكأن الجدران هي التي قصّرت في تقديم الخدمات، وهي التي وضعت الخطط، وأدارت الموارد، وحددت أولويات الإنفاق.
قد يكون المبنى قديماً، وربما لم يعد صالحاً لمواكبة احتياجات العمل البلدي، ولا أحد يعترض على بناء مقر جديد إذا كان ذلك يخدم المدينة. لكن ما أثار الجدل هو ربط تراجع الخدمات بقدم المبنى، وكأن سنوات من المشكلات يمكن اختصارها في جدرانٍ متهالكة.
فالمواطن في القامشلي لم يكن يشتكي من شكل البلدية، بل من واقع المدينة. فمنذ سنوات طويلة بقيت مشكلات الطرق، والصرف الصحي، والنظافة، والتنظيم العمراني، والخدمات العامة حاضرة في حياة الناس، من دون أن يشعروا بتحسن يتناسب مع ما كانت المنطقة تمتلكه من موارد وإيرادات. ولهذا بدا من الصعب على كثيرين تقبل فكرة أن المبنى هو السبب الرئيسي لكل هذا التراجع.
والحقيقة أن المباني لا تضع الخطط، ولا تدير الميزانيات، ولا تنفذ المشاريع. هذه مسؤولية الإدارات التي تتولى شؤون المدينة، وهي التي تُقاس بقدرتها على تحويل الموارد إلى خدمات، لا بعدد الطوابق أو اتساع المكاتب.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن أولويات الإنفاق خلال السنوات الماضية. فقد فرضت الحرب ضد تنظيم داعش واقعاً استثنائياً استدعى إنفاقاً كبيراً على الجوانب الأمنية، وإنشاء مراكز احتجاز، ومرافق مرتبطة بالوضع العسكري، إضافة إلى مشاريع ذات طابع رمزي وتخليدي. وربما كانت تلك النفقات مفهومة في ظل ظروف الحرب، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن المواطن كان ينتظر، في الوقت نفسه، استثمارات أكبر في الطرق، وشبكات المياه والصرف الصحي، والحدائق، والمرافق العامة، وكل ما يجعل الحياة اليومية أكثر استقراراً وكرامة.
فالتنمية لا تتعارض مع الأمن، بل تكمله. وكان من الممكن، مع حسن التخطيط وإدارة الموارد، أن تسير حماية المنطقة بالتوازي مع تنفيذ مشاريع تنموية تليق بمدينة مثل القامشلي، بدلاً من أن يبقى الواقع الخدمي محل شكوى دائمة.
ومن زاوية أخرى، فإن الاعتراض على هدم مبنى البلدية لا يعني رفض التطوير أو التمسك بكل بناء قديم، كما أن بناء مقر جديد لا يبرر تجاهل القيمة التاريخية لمعلم ارتبط بذاكرة المدينة لعقود. فالكثير من المدن اختارت إعادة توظيف مبانيها التاريخية كمراكز ثقافية أو متاحف أو مؤسسات عامة، محافظةً بذلك على ذاكرتها وهي تتجه نحو المستقبل.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن مبنى ولا بالاعتراض على إنشاء آخر، بل بطريقة إدارة المدينة نفسها. فالمبنى القديم انتهى دوره، وسيُشيَّد مكانه مبنى جديد، لكن ذلك وحده لن يكون معيار النجاح. المعيار الحقيقي هو ما إذا كان أبناء القامشلي سيشعرون أخيراً بتحسن ملموس في مستوى الخدمات، وبأن موارد مدينتهم انعكست على حياتهم اليومية.
فإذا حمل المبنى الجديد معه إدارة أكثر كفاءة، وخططاً أوضح، وخدمات أفضل، فسيكون الجميع أول المرحبين به. أما إذا بقي الواقع على حاله، فسيترسخ في أذهان الناس أن المشكلة لم تكن يوماً في المبنى، بل في طريقة إدارة المدينة وأولوياتها، وهي القضية التي تستحق أن تكون محور أي نقاش جاد حول مستقبل القامشلي.