اثنا عشر نائباً كردياً… فرصة تاريخية أم تمثيل بلا تأثير؟

شادي حاجي 
لا تُقاس أهمية التمثيل السياسي بعدد المقاعد بقدر ما تُقاس بقدرته على تحويل الحضور إلى نفوذ، والتمثيل إلى تأثير في صناعة القرار. ومن هذه الزاوية، فإن وجود اثني عشر عضواً كردياً في مجلس الشعب الانتقالي السوري يشكل فرصة سياسية ودستورية استثنائية، ليس للكرد وحدهم، بل لمسار بناء الدولة السورية في مرحلة تُعدّ الأكثر حساسية منذ عقود. غير أن هذه الفرصة قد تتحول سريعاً إلى مجرد رقم في سجل التمثيل إذا بقي هؤلاء الأعضاء يتحركون كأفراد، لا كقوة سياسية تمتلك رؤية مشتركة وأهدافاً واضحة.
فالمرحلة الانتقالية ليست مرحلة تشريعية اعتيادية، وإنما لحظة تأسيسية يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وتُوضع خلالها الأسس الدستورية والقانونية للنظام السياسي القادم. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية لا تُصنع الحقوق عبر الخطابات، بل عبر التنظيم السياسي، والتفاوض، وصياغة النصوص الدستورية، وبناء التحالفات داخل المؤسسات. أما الاكتفاء بحضور فردي متفرق، فهو أقرب إلى المشاركة الشكلية منه إلى الفعل السياسي المؤثر.
قد يكون أعضاء المجلس الكرد مختلفين في انتماءاتهم السياسية أو خلفياتهم الفكرية، وقد لا يجمعهم حزب واحد أو برنامج واحد، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون مبرراً لاستمرار التشتت. فالعمل البرلماني في النظم الديمقراطية لا يقوم على التطابق الكامل في المواقف، وإنما على بناء كتل سياسية تتفق على الحد الأدنى من المصالح والأهداف الاستراتيجية، مع احتفاظ كل طرف بخصوصيته السياسية. وهذا هو جوهر العمل المؤسسي، وهو أيضاً الشرط الأول لتحويل التمثيل العددي إلى قوة تفاوضية حقيقية.
إن الحاجة اليوم ليست إلى كتلة حزبية مغلقة، بل إلى إطار تنسيقي كردي داخل المجلس، يستند إلى برنامج سياسي ودستوري واضح، يحدد الأولويات التي لا يجوز التنازل عنها في أي عملية لصياغة مستقبل سوريا. وفي مقدمة هذه الأولويات يأتي الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي بوصفه أحد المكونات القومية الأصيلة في البلاد، وضمان حقوقه القومية والثقافية واللغوية، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، وإيجاد معالجة دستورية عادلة للقضية الكردية ضمن إطار وحدة الدولة السورية وسيادتها.
ولا يتعلق الأمر بالدفاع عن مطالب فئوية أو امتيازات خاصة، بل بالمساهمة في بناء دولة حديثة تعترف بتنوعها باعتباره مصدر قوة واستقرار، لا تهديداً لوحدتها. فالتجارب المقارنة أثبتت أن إنكار التعددية القومية لا ينتج دولة أكثر تماسكاً، وإنما يؤسس لصراعات مزمنة، بينما يشكل الاعتراف الدستوري بالتنوع أحد أهم ضمانات الاستقرار السياسي والوحدة الوطنية.
ومن هنا، فإن مسؤولية النواب الكرد لا تقف عند حدود التصويت على مشاريع القوانين، بل تمتد إلى تنسيق مواقفهم بصورة منتظمة، وإعداد مبادرات تشريعية مشتركة، وبناء شراكات مع القوى الوطنية المؤمنة بالدولة الديمقراطية، بما يعزز قدرتهم على التأثير في مجمل عملية الانتقال السياسي، لا في القضايا الكردية وحدها. فالسياسة لا تعرف الفراغ؛ ومن لا ينظم نفسه داخل المؤسسة، سيجد نفسه خارج معادلاتها.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية مع اقتراب الاستحقاق الدستوري. فالمطالبة بتمثيل فعّال داخل لجنة إعداد الدستور الدائم ليست مطلباً سياسياً عادياً، بل ضرورة دستورية ووطنية. إذ لا يمكن الحديث عن عقد اجتماعي جديد بينما يُستبعد أحد أبرز المكونات القومية في البلاد من المشاركة الفعلية في صياغته. فالدساتير التي تُكتب بمنطق الغلبة أو الإقصاء لا تؤسس لاستقرار دائم، بل تزرع بذور أزمات جديدة سرعان ما تعود إلى الواجهة.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه التمثيل الكردي في هذه المرحلة ليس ضعف العدد، بل غياب الرؤية المشتركة. فاثنا عشر نائباً يعمل كل منهم منفرداً لا يملكون الوزن السياسي الذي يمكن أن يمتلكه اثنا عشر نائباً يتحدثون بلغة واحدة عندما يتعلق الأمر بالثوابت الدستورية والحقوق الأساسية. وفي السياسة، كثيراً ما تكون وحدة الموقف أكثر تأثيراً من كثرة المقاعد.
إن التاريخ السياسي لسوريا يقف اليوم أمام لحظة فارقة. والكرد، بوصفهم مكوناً أصيلاً من مكونات البلاد، يمتلكون فرصة للمساهمة في صياغة مستقبل الدولة، لا من موقع الاعتراض على الدولة، بل من موقع الشراكة في إعادة تأسيسها على قواعد المواطنة والديمقراطية وسيادة القانون. غير أن هذه الفرصة لن تدوم طويلاً، لأن اللحظات التأسيسية لا تتكرر، ومن يفرط فيها اليوم قد يجد نفسه غداً أمام نصوص دستورية وقواعد سياسية صاغها الآخرون نيابة عنه.
لهذا، فإن المطلوب من النواب الكرد ليس مجرد الحضور تحت قبة المجلس، بل الانتقال من سياسة التمثيل إلى سياسة التأثير، ومن العمل الفردي إلى الفعل المؤسسي المنظم. ففي المراحل الانتقالية، لا تُحفظ الحقوق بالنوايا الحسنة، وإنما تُصان ببناء المواقف المشتركة، وكتابة النصوص، وإدارة التفاوض. وما لم يدرك النواب الكرد هذه الحقيقة، فإن فرصة تاريخية قد تضيع، ليس على الكرد وحدهم، بل على سوريا بأسرها وهي تبحث عن طريقها نحو دولة ديمقراطية عادلة تتسع لجميع أبنائها.
وإلى مستقبل أكثر تأثيراً

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمدالشرف الحسيني تمهيد: عندما يصبح الخطر من داخل البيت ليست كل هزيمة قومية نتيجة تفوق الخصم، وليست كل خسارة سببها قوة العدو. أحيانًا يكون الخطر الأخطر أن تتحول أدوات النضال نفسها إلى أدوات لاستنزاف القضية من الداخل؛ وأن تُرفع الشعارات القومية في الواجهة، بينما تتحرك في العمق حسابات سياسية أو تنظيمية مختلفة.او امور اخرى. ولعل الأحداث التي شهدها الحدث الكوردي…

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…

علمنا في الهيئات والمنظمات والمراكز الحقوقية الموقعة أدناه من السيد رياض والد القاصر حسن سمو تولد الدرباسية عام 2011، أن ما تعرف بـ«الشبيبة الثورية/جوانن شورشكر»، قامت منذ حوالي شهرين ونصف من الآن، باختطاف ولده القاصر حسن من محله الذي كان يتدرب فيه على مهنة الميكانيك، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم، علماً أنه سبق عملية الاختطاف، تهديده بها أكثر…