في سيرة بناء ” مسجد بارزاني الكبير ” باربيل

صلاح بدرالدين

من الطبيعي تخليد العظماء لدى أي شعب ، واطلاق أسمائهم على مؤسسات سيادية ، وصروح علمية ، وتاريخية ، واجتماعية ، اما أن يصل الامر الى استخدام تلك الأسماء في مواقع ذات رمزية دينية في مجتمعات متعددة الأديان والمذاهب ولاتخلو من الحساسيات ، فمسألة فيها نظر ، ومن هذا المنظور علينا تناول الموضوع الذي بين أيدينا حول قيام الحكومة بوضع الحجر الأساس  ” لجامع بارزاني الكبير ” في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق على أكثر من مليون متر مربع  قيل أنه سيكون الجامع الأكبر بالعراق والشرق الأوسط ، وبتكلفة خيالية .

  قوبل الإعلان عن نبأ بناء الجامع بردود فعل متباينة ، منها غاضبة ومنددة من بعض رجال الدين ، كماجاء على لسان امام جامع – بيرة مكرون – في محافظة السليمانية ، حيث شن هجوما لاذعا على حكومة الإقليم ، معتبرا ان ذلك الجامع ( سيبني بالمال الحرام ، وان الصلاة فيه باطل ) الى ماهنالك من اتهامات ، وأحكام ذات طابع ديني ، كما تعالت أصوات معارضة من جانب مثقفين علمانيين في الإقليم ، تندد بصرف تلك المبالغ الطائلة على بناء جامع في مدينة تعج بالمساجد ، وتعتبر من اكثر المدن بالعراق ومعظم مدن الشرق الأوسط احتواء بالمساجد ، في حين مازالت نسبة كبيرة من مواطني الإقليم في فقر مدقع ، ولاتصل رواتب الموظفين في موعدها ، وتزداد نسبة البطالة يوما بعد يوم ، وبدلا من صرف هذا المبلغ الطائل على مسجد كان الاحرى ان تبنى به مدارس ، ومستشفيات ، ودور الرعاية الاجتماعية ، بحسب رأي هؤلاء .

 قراءتي للموضوع من منظور مختلف

  مع احترام كل المواقف : الحكومة ، والمعترضين من منطلقات مختلفة ، حيث من حق الجميع اتخاذ مايرونه مناسبا لانهم جميعا ينتمون الى إقليم كردستان العراق ، حيث الحكومة منتخبة وحرة في اتخاذ ماتراه مناسبا بالرغم من انها تعتبر في رأي الكثيرين – حكومة تصريف الاعمال – ، والمواطنون أحرار بموجب القانون الاتحادي والكردستاني في طرح مواقفهم ، ومايتعلق الامر بنا خارج إقليم كردستان العراق قد نجيز لانفسنا الادلاء بدلونا اذا تعلق الامر بمسألة قومية تتعلق بأحد الرموز الكردستانية المرموقة وهو اسم الزعيم الراحل مصطفى بارزاني الذي اطلق على الجامع المذكور .

مررت بتواصلي مع إقليم كردستان العراق بثلاث مراحل : الأولى عام ١٩٦٧ خلال اللقاء الأول مع الزعيم الراحل مصطفى بارزاني قائد ثورة أيلول وكان لقاء تعارف وعمل وتنسيق ، والثانية بعد اتفاقية آذار للحكم الذاتي عام ١٩٧٠ وكان بدعوة من الزعيم الراحل لحضور الاحتفال بالحدث والمشاركة بالمؤتمر الثامن للحزب الديموقراطي الكردستاني ، والثالثة بعد تسلم الأخ مسعود بارزاني مقاليد الحزب والقيادة والسلطة واعلان الفيدرالية ، وفي المرحلة الأخيرة التي مكثت هناك بصورة دائمة  قرابة ثلاثة عقود بدأت التعامل بشكل جاد مع تراث الزعيم الراحل ، والاطلاع على ماامكن على كل ماتعلق به ، وأقمت عشرات الندوات في مركز – رابطة كاوا للثقافة الكردية – بأربيل حول تاريخه ، ونهجه ،  وحاولت الاجتهاد في معرفة وتقييم وتوثيق فكره القومي ، ومواقفه ، وسياساته ، لانني عرفته كقائد قومي ووطني ، طوال حياته ولم اعتبره ولو للحظة شيخا ، أو رجل دين ، كما يعتقد البعض .

  ومن ذلك المنطلق كتبت عنه الكثير ، واقترحت على الأخ مسعود بارزاني ان يقام سنويا بذكرى ميلاده مؤتمرا علميا حوله وتم ذلك مرتين ببلدة صلاح الدين ثم توقف نهائيا لاسباب غير معروفة ، ومن جملة مااقترحته بخصوص تراث ومسيرة وتاريخ هذا القائد :

  ١ – إيقاف مظاهر الحزن ولبس السواد على ضريح الخالدين ببارزان من جانب النسوة في مناسبة الوفاة ، والاستعاضة عن ذلك بتنظيم طقوس احياء يوم ميلاد الزعيم على الشكل التالي : حضور أعضاء القيادة والقاء كلمات تعبر عن المناسبة من جانب لجنة تضم كرد الأجزاء الأربعة من كردستان ، وتنظيم زيارات العامة بهذه المناسبة ، وتم ذلك لثلاثة أعوام متتالية فقط ،  وكانت المرة الأولى مشاركة كل من نيجيرفان بارزاني ، وكاتب هذه السطور ، وأحد احفاد الشيخ سعيد من كرد تركيا ، والشاعر هردي من كرد ايران ، والشهيد فرانسوا حريري .

  ٢ – قدمت اقتراحا  بإقامة ” مؤسسة البارزاني للسلام ” يكون مجلس أمنائها من شخصيات كردية وعالمية ، بينها كمثال أسماء بارزة مثل : ( كمال جنبلاط –  نيلسون مانديلا  – ياسر عرفات – )  وجميع الصحافيين العالميين الذين قابلوا البارزاني ، او الفوا كتبا حوله مع العشرات من الأسماء الأخرى كردية وعالمية ، وتكون للمؤسسة فروع ثقافية ، ومركز أبحاث ، ومكتبة كبرى ، وجامعة باسم البارزاني لها فروع إضافية حول حركة التحرر الكردستانية ، والادب ، والتاريخ الكرديين ، تستقبل خصيصا طلاب الأجزاء الأربعة بالتساوي ، وتشكيل لجنة كردستانية لتكريم المناضلين الكرد وشهداء الحركة ، وصندوق قومي لدعم الحركات الكردية في الأجزاء الأربعة ، للأسف الشديد لم تتم الموافقة على مقترحاتي واستعاضوا عنها بتشكيل ” مؤسسة بارزاني الخيرية ” المشهود لها طبعا بتقديم الخدمات الإنسانية .

  قد تكون لقيادة إقليم كردستان العراق حساباتها الخاصة نجهلها في مسألة تسمية المسجد الكبير باسم البارزاني ، ولاشك انني احترم خياراتها ، ولكن لابد من التساؤل : اذا كان الزعيم الراحل قائدا قوميا وطنيا ثوريا فلماذا زج اسمه بمجالات دينية ؟ لقد جسد الراحل اتحاد شعب كردستان العراق بمختلف المكونات ، والأديان ، والمذاهب حتى حراسه الشخصييون الذين رايتهم بام عيني عام ١٩٦٧ كانوا كردا ، وكلدانا ، وآشوريين ، ومسلمين وايزيديين ، وقد دشن نهجا يحمي الجميع ، ويصون معتقداتهم ، وحقوقهم المشروعة فلماذا يرتبط اسمه بدور عبادة دين معين  ؟ .

   خلال احدى زياراتي للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في رام الله بفلسطين حملني الرسالة الشفوية التالية الى الزعيم الأخ مسعود بارزاني : ( احذروا الإسلام السياسي فهو الد أعداء حركات التحرر ) ، لذلك يجب التعامل مع كل مايتعلق بمظاهر ، ورموز الأديان بحذر وروية مع كل الاحترام لمعتقدات المؤمنين بكل الديانات .  

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا . فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ. غير…

فراس حج محمد| فلسطين في واحد من المراسلات بيني وبين الدكتور أحمد نسيم البرقاوي على إثر مقال نقديّ أعجب به، يرسل لي هذه الرسالة: “صديقي فراس العزيز: قرأت بمتعة كبيرة مقالتك الرائعة جداً، ونقدك العميق، وعندي بأن مصطلحك: التفخيم النقدي مصطلح يجب أن يدخل التداول في النقد، لأن التفخيم النقدي ليس سوى نوع من الكتابة هدفها التبرج بمنقود ذي شهرة،…

ولاتي مه – خاص: أعلن ثلاثة من أعضاء الهيئة القيادية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا انسحابهم من الحزب وإنهاء مهامهم التنظيمية، وذلك في بيان مشترك صدر اليوم الاثنين 29 حزيران/يونيو 2026، بعد ما وصفوه بـ”استنفاد جميع فرص الإصلاح الممكنة داخل الأطر التنظيمية القائمة”. ووقع البيان كل من الأستاذ مسلم شيخ حسن، والمهندس أحمد زيبار، والمهندس رزكار عارف حسو، الذين…

د. حـمـدي سـنـجـاري   في كل دولة تسعى إلى النهوض، تأتي لحظات مفصلية تُختبر فيها جدية مؤسساتها في تطبيق القانون ومواجهة الفساد. وما نشهده اليوم من تحرك حكومي جاد لملاحقة الفاسدين واسترداد هيبة الدولة يمثل رسالة واضحة مفادها أن القانون يعلو على الجميع، وأن النفوذ والانتماء لا يمنحان أحداً حصانة من العدالة. عانى العراق سنوات مديدة من الفساد الإداري والمالي،…