ماهين شيخاني
في زمن تتغير فيه الخرائط، هل يبقى الكورد متفرجين؟
ليس هناك ما هو أشد إيلاماً من أن يمتلك شعبٌ كلَّ مقومات البقاء، فيفقدها بسبب انقساماته الداخلية. هذا هو جوهر المأساة الكوردية اليوم. فبينما تُعاد رسم خرائط الشرق الأوسط تحت وطأة المتغيرات الجيوسياسية، وبينما تسقط الأنظمة وتنهض أخرى، وبينما تتهاوى التحالفات وتُبنى غيرها، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً يطرق أبواب كل كوردي: أين نحن من هذه التحولات؟ وهل نحن فاعلون أم مفعول بهم؟
الجواب، للأسف، لا يزال معلقاً بين رحم الوحدة ومخاض الانقسام.
التهديدات لا تأتي من اتجاه واحد
ما إن ينظر الكوردي حوله حتى يجد الخطر محدقاً به من كل صوب.
ففي سوريا، وبعد سقوط نظام الأسد، برزت سلطة جديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع، تبنت مشروعاً مركزياً يسعى إلى إعادة هيكلة الدولة وفق رؤية موحّدة. وفي هذا السياق، أصبحت الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) جزءاً من مشروع الاندماج التدريجي مع مؤسسات الدولة السورية، سواء على المستوى العسكري (دمج قسد في هيكل وزارة الدفاع) أو الإداري (تسليم المؤسسات المدنية). ورغم أن هذا المسار قد يُقرأ كخطوة نحو إنهاء حالة الانقسام، إلا أنه يثير مخاوف مشروعة لدى الكورد بشأن مستقبل حقوقهم القومية، خاصة في ظل غياب ضمانات دستورية واضحة لنموذج حكم لامركزي يحمي هويتهم ووجودهم.
وفي العراق، ورغم وجود إقليم كوردستان بصفته الدستورية، فإن التحديات لم تتوقف. فالضغوط المالية، وحجب الرواتب، وتعطيل صادرات النفط، والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تستهدف الإقليم، كلها أدوات تستخدم لإضعاف التجربة الفيدرالية وإعادة الكورد إلى مربع التبعية المركزية.
وفي تركيا وإيران، يظل الكورد يواجهون سياسات قمعية ومحاولات مستمرة لطمس هويتهم، مع استغلال الانقسامات الكوردية الداخلية كذريعة لتبرير هذه السياسات.
العدو لا يضرب من جهة واحدة. لكن أخطر ما يواجه الكورد ليس قوة الأعداء، بل ضعف الوحدة الداخلية.
مؤتمر قامشلو: خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها غير كافية
في 26 نيسان 2025، انعقد في مدينة قامشلو “كونفرانس وحدة الصف والموقف الكوردي” بمشاركة نحو 400 شخصية كوردية من سوريا والعراق وتركيا. وقد وُصف هذا المؤتمر بأنه “محطة تاريخية”، وخرج برؤية سياسية مشتركة لبناء “دولة ديمقراطية لامركزية” تضمن حقوق الكورد.
لكن هذا المؤتمر انعقد في مرحلة سبقت التحولات الكبرى، حيث كانت الإدارة الذاتية وقسد لا تزالان في موقع “السلطة الواقعية” قبل الانخراط في مسار الاندماج مع دمشق. واليوم، ومع دخول هذا المسار حيز التنفيذ، تبرز أسئلة جديدة: هل ستلتزم دمشق بالضمانات التي طالب بها المؤتمر؟ وهل سيتمكن الوفد الكوردي المشترك من تحويل تلك الرؤى إلى نصوص دستورية ملزمة؟ أم أن الاندماج سيتم على حساب المكتسبات الكوردية، تحت ضغط “الواقع الجديد”؟
هذه الخطوة تستحق الإشادة، بل هي ضرورة لا خياراً سياسياً، كما قال البعض. فهي تعكس إدراكاً متزايداً بأن التحديات المتعاظمة تتطلب وحدة الصف.
لكن هل يكفي مؤتمر واحد، مهما كان حجمه، لمعالجة عقود من الانقسام؟
الواقع يقول إن الطريق لا يزال طويلاً. فالثقة بين الأطراف المختلفة ما زالت هشة، وهناك تباين كبير في التصورات حول شكل النظام السياسي، فضلاً عن وجود فيتو إقليمي من تركيا لأي مشروع يمنح الكورد شرعية مؤسسية في الشمال السوري. كما أن التحول من “وحدة الموقف” إلى “وحدة الفعل” يحتاج إلى أكثر من بيانات ختامية.
المسؤولية التاريخية: من يتحمل ماذا؟
إن المرحلة الراهنة تضع على عاتق كل الأطراف الكوردية مسؤولية تاريخية مضاعفة: أولاً تجاه قضيتهم القومية، وثانياً تجاه مشروع التحول الديمقراطي في سوريا والمنطقة. وهذه المسؤولية تتوزع على النحو التالي:
أولاً: قيادة إقليم كوردستان (هولير)
تتحمل هولير مسؤولية كبرى في دعم جهود الوحدة الكوردية، ليس فقط عبر البيانات والتصريحات، بل عبر توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي والضغط على الأطراف المختلفة لتجاوز خلافاتها. وقد أبدى الرئيس مسعود بارزاني دعماً واضحاً لمؤتمر قامشلو، معتبراً إياه “خطوة مهمة وتاريخية ضمن جهود بناء وحدة الكورد”. لكن الدعم يجب أن يتحول إلى آلية مستدامة، لا إلى مواقف ظرفية.
ثانياً: الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مرحلة ما بعد الاندماج
مع دخول قسد والإدارة الذاتية في مسار الاندماج مع مؤسسات الدولة السورية، تبرز مسؤولية جديدة ومضاعفة. فهذا الطرف، الذي كان يمثل القوة الميدانية الأبرز للكورد في سوريا، أصبح اليوم أمام اختبار تاريخي: كيف يحمي مكتسبات الكورد وهو ينتقل من موقع “الإدارة الذاتية” إلى موقع “الاندماج في الدولة”؟
المطلوب الآن ليس فقط الحفاظ على وحدة الصف الكوردي، بل أيضاً العمل على ترجمة أي تفاهمات مع دمشق إلى ضمانات دستورية ومؤسساتية واضحة، وعدم الاكتفاء بوعود مرحلية قد تتغير مع تبدل الظروف. فالاندماج دون ضمانات هو انصهار، والتفاؤل دون آليات هو مجرد أمل.
ثالثاً: المجلس الوطني الكوردي (ENKS) والأحزاب التقليدية
على هذه الأحزاب أن تدرك أن العودة إلى مربع “الانتظار” أو “الرهان على الخارج” لم يعد خياراً. فالانخراط الفاعل في العملية السياسية، والقبول بجدول أعمال موحّد، والتخلي عن الحسابات الضيقة، كلها شروط أساسية لأي دور مستقبلي.
رابعاً: الأحزاب الكوردية في تركيا وإيران
لا يمكن للقضية الكوردية أن تنتصر في جزء وتنهزم في آخر. الكورد في تركيا وإيران جزء لا يتجزأ من النسيج الكوردي، وأي مشروع وحدوي يجب أن يشملهم، ولو على مستوى التنسيق السياسي والإعلامي.
خامساً: النخب والمثقفون والإعلام
دور النخب لا يقل أهمية عن دور السياسيين. فالإعلام الكوردي، والمثقفون، والكتّاب، والأكاديميون، يتحملون مسؤولية توعية الجمهور بأهمية الوحدة، وكشف مخاطر الانقسام، وتجاوز خطاب التحريض والتخوين.
ماذا يحدث إذا فشلت الوحدة؟
إذا استمرت الانقسامات، فإن السيناريوهات المتوقعة قاتمة:
في سوريا، قد يُستخدم الانقسام الكوردي كذريعة لفرض نموذج مركزي يذيب الهوية الكوردية، وقد يتحول الاندماج من فرصة إلى فخ.
في العراق، قد تتعزز محاولات تفريغ الفيدرالية من مضمونها، وتُستخدم الانقسامات الكوردية كحجة لتقليص صلاحيات الإقليم.
في تركيا وإيران، ستبقى سياسات القمع مستمرة، ولن يكون للكورد صوت موحد يدفع نحو التغيير.
على المستوى الدولي، سيبقى الكورد “ورقة” تُستخدم وتُرمى، بدلاً من أن يكونوا “شريكاً” لا يمكن تجاوزه.
الخاتمة: الوحدة ليست خياراً، بل قدراً
لقد حان الوقت لأن يدرك كل كوردي، في كل جزء من كوردستان، أن الوحدة ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية. فالتاريخ لا يرحم المنقسمين، والجغرافيا لا تنتظر المترددين. وما لم تتحد القوى الكوردية على مشروع وطني واضح، وتتجاوز المصالح الحزبية الضيقة لصالح الهدف الأسمى للكورد عامة، فإنها ستظل أسيرة للتفاعلات الإقليمية والدولية، ضحية لصفقات لا تحضر فيها، وكبش فداء في معارك ليست معاركها.
وفي سوريا، حيث تبدأ مرحلة جديدة من الاندماج مع الدولة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل سيكون هذا الاندماج بداية لشراكة حقيقية، أم نهاية لمشروع الكورد في سوريا؟ الإجابة تتوقف على وحدتنا أولاً، ثم على قدرة قياداتنا على تحويل الاندماج إلى ضمانات، لا إلى تنازلات.
الوحدة ليست شعاراً نرفعه في المؤتمرات، بل قراراً نتخذه في قلوبنا قبل أن نوقّعه في دساتيرنا. وحان الوقت لأن يكون هذا القرار نهائياً، لأن كوردستان، بكل أجزائها، تستحق أكثر من هذا التشتت.