إبراهيم اليوسف
ها قد دخلت الاحتجاجات يومها السابع، واستطاع المحتجون المشغولون بأهلهم من المواطنين، من دون تفريق، أو بحث عن: وجاهة أو جاه، خلال أسبوع كامل أن يثبتوا أن المطالبة بحق المواطن في الرغيف حين تخرج إلى الشارع فهي أبعد من أن تكون صدى لمجرد جوع، لأنها تعكس أسئلتها الكبرى. أسئلة الكرامة، إنها نتاج تاريخ كامل من الانتظار، وسنوات طويلة من الرعب والصمت، و ترجمة لأحاسيس ثقيلة، مريرة، بعد أن دأب مواطننا إرسال إشارات الاستغاثة الواحدة تلو الأخرى، بينما استغرقت السلطات في ترتيب أولوياتها بعيداً عن البيت الذي يبحث عن الكهرباء والدواء والماء والخبز، في مواجهة الغلاء وارتفاع أسعار المحروقات.
جوهر المطلب المركب في مفرداته، سهلة التفكيك، يفرض حضوره اليوم متجاوزاً عدد المشاركين- مهما كان رمزياً بسبب الظروف المعروفة- ورغم اتساع مدى دائرة الاحتجاجات، إذ يتعلق الأمر بالرسالة المتوخى وصولها، و التي وصلت وتتواصل، وبالطرف الذي تلقاها، وبالطريقة التي قرأها بها، لأن اللامبالاة أمام استنجاد المواطن تكشف طبيعة أي سلطة أكثر مما تكشفه خطاباتها، وتقدم تعريفاً عملياً لهويتها السياسية، حيث تضع المواطن في مرتبة متأخرة، وتمنح- الكرسي- أجل” الكرسي” والهيمنة ودوام النفوذ الأولوية التي تستحوذ على اهتمامها.
يتابع أحدنا الخطابات الناعمة التي تصوغها السلطات لنفسها، أمام كل امتحان أو تحد، فيخال للوهلة الأولى أنه أمام عالم كامل من الوعود والحرص على كرامة المواطن، إذ طالما أتقن الطغاة عبر التاريخ صناعة الخطاب المطمئن، مستعينين بوعاظ السلاطين، و ذوي أبرع الأقلام والأرياش الطاووسية لتجميل صورهم، فلكم حملت خطابات حافظ الأسد مثل هذه السمة طوال سنوات النفخ في صورة تأليهه خارج شيطانيته، ثم جاءت خطابات ابنه: الدمية، بشار الأسد محمّلة بفنتازيا الحداثة والوعود والإصلاح، بينما ظل الواقع يدون تفاصيل واقع معروف، و رواية أخرى فوق كل شبر من تراب خريطة سوريا، إذ يقيس الناس مصداقية وحرص السلطة بما يعيشونه كل صباح، لا بما يسمعونه من كلام منافق، منمق، في المناسبات الرسمية.
وإذا ما أردنا تفكيك واقع سلطة اليوم التي وصلت إلى السلطة عبر آلية: التسليم والاستلام، وفق تفاهمات وتواطؤات دولية، في زمن مهرج العصر: ترامب، فهو يرتب علينا استقراء خطاب سلطة دمشق بعد التحولات الأخيرة، حيث انشغل كثيرون بتسويق صورة جديدة لها، واندفع مثقفون ومنظرون إلى ممارسة دور المسوق، ولسان الحال الرخيص، أو البوابة التي تستجدي الرأي العام نحو قبولها، ويعرف المتابع أن قسماً من هؤلاء حمل خيبة قديمة مع النظام الأسدي، ثم راح يبحث عن موطئ قدم لدى السلطة التي تلته، إذ ظل الكرسي هو نقطة الجذب، بينما بقي سؤال هوية السلطة ومستقبل المجتمع في مرتبة مؤجلة، ولو تبدلت الأسماء وبقيت البنية على حالها لاستمر الخطاب نفسه باحثاً عن المسوغ ذاته، عبر أداء دور ممثل مسرحي مكشوف، ومبتذل، و مقيت!.
وهنا، فإنه لا ننسى خطاب المتحكمين بالإدارة الذاتية، حيث حافظت ماكينة التسويغ على حضورها طوال أعوام، واستطاعت أن تصنع حالة من التخدير لدى قطاع من جمهورها- وإن كان المئات من المثقفين يقفون مع شعبهم كلما أعلنت عليها حرب الإرهاب- حتى غدا النظر إلى الواقع يجري عبر خطاب السلطة أكثر مما يجري عبر حياة الناس اليومية، مع أن عقداً ونيفاً من عمر الإدارة ترك عبئاً كارثياً، و آثاراً مدمرة على المجتمع، وبناء الفرد، وعلى الاقتصاد، وعلى تفاصيل الحياة التي يعرفها المواطن ضمن منزله، و منذ أن يغادره، لتأمين حاجة ملحة، واقفاً أمام باب متجر، أو صيدلية، أو محطة وقود.
قبل ثلاثين عاماً عرف حي الهلالية وحي طي والعنترية وتل حميس وكثير من قرى الجزيرة حقيقة وواقع تراجيديا عائلات أنهكها الفقر، بينما تبدو الصورة اليوم أكثر قسوة واتساعاً، حيث تغلغل الجوع متخذاً ومتربعاً على أمداء أوسع، ليزداد عدد البيوت التي تعيش تحت ضغط الحاجة، حتى غدا هاجس الرغيف. الدواء. سبل الحياة، العيش، شاغل مواطننا، يومياً، وهو يستنزف كرامة الإنسان قبل أن يستنزف روحه وجسده.
وحقيقة، فإن قضية الجوع ترتبط على نحو وثيق بمطلب الكرامة ارتباطاً عضوياً، إذ إن الكرامة تبدأ من قدرة الإنسان على تأمين خبزه، ثم تتسع لتشمل شعوره بالأمان، ومكانته في وطنه، وحضوره في مؤسسات دولته، لذلك تحتاج هذه القضية إلى مقالة مستقلة، بل إلى مبحث مستقل، من قبل ورشات خبراء في الاقتصاد والسياسة وحقوق الإنسان، فالكرامة تتراجع مع اتساع الرعب في حياة الناس، وتتراجع حين تحتكر فئة واحدة مواقع القرار، من رئيس الدولة إلى الوزراء فالمديرين العامين ثم موظفي الدوائر وحتى شاغلي وظيفة: المراسل أو المستخدم، لأن الدولة التي تعكس تنوع مجتمعها توفر لمواطنيها أسباب الشعور بالانتماء والشراكة، لا تبييت حلم لحظة سقوط النظام، متى طعنت الكرامة وغيب الرغيف والأمن والأمان، فإن مثل هذا الشعور يفتقد وإن تم الحديث المزور عن توفيره، ممالقة وزلفى، ومداهنة، كلما ضاقت دائرة المشاركة. إذ تتلقى الكرامة الرصاص في صميمها حين يختل ميزان العدالة، ويرى المواطن: قاتلاً يحاكم قاتلاً، ثم يرى من يحمل سجلاً أشد ثقلاً في الإجرام يتولى محاكمة من يماثله أو يبزه أو من هو دونه في ذلك، فتغادر الثقة قاعة المحكمة قبل أن يدخلها الضحايا، ويغدو العدل مطلباً مؤجلاً ينتظر زمناً آخر.
من هنا- تماماً- فإن قضية الكرامة تستحق توفير فضاء مستقل، وقضاء أكثر استقلالية، لأنها تمس الجذر الذي تتفرع عنه بقية القضايا، ولأن الجوع يضغط على روح وعصب وضمير ووجدان الإنسان في نقطة شديدة الحساسية، وقد حملت تجربة تيار قاسيون في مطلع الألفية دلالة واضحة حين تم رفع شعار “كرامة المواطن… كرامة الوطن”، وحين خرج إلى الشارع في اعتصامات مبكرة خلال عام 2001 في مواجهة النظام، هاجسها: تمرين الشارع على التظاهر رغم أنف نظام الأسد، وما زلت أذكر اتصال الصديق عبدالباقي يوسف بي عشية اعتصام حزب يكيتي أمام ما سمي ويسمى” مجلس الشعب” لحضور التيار، ضمن سلسلة دعوات هذا الحزب، كما أذكر تكليف الصديق صالح نمر بالحضور، إذ بقيت الكرامة آنذاك عنواناً مباشراً يلتف حوله الناس قبل أي عنوان آخر، وتعرض يكيتي للحصار، والتضييق، والاعتقالات، والتشويه، وكان النظام- آنذاك- يتحسب لهم في أعماقه، كأصحاب موقف لا يساوم، كما سأفهم عبر قراءتي كتاب أحد الأصدقاء، بهذا الخصوص.
وتقود هذه الذاكرة إلى سؤال شديد الحساسية يتعلق بمصائر آلاف الشبان الذين وجدوا أنفسهم قد سقطوا حتى في فخاخ ومستنقع تنظيم داعش، أو في الفصائل المسلحة- ولا أعني تكفيريي التفكير العقائديين- أو ضمن صفوف قسد، كي يغادرها أمثال هؤلاء في أخطر لحظة تاريخية- وأتحدث هنا عن المضطرين المكرهين والنهازين فحسب- إذ إن الجوع وراء ترجيح هذه الخيارات، لأن الحاجة قد تدفع الإنسان إلى البحث عن باب. أي باب، يقي أسرته الفاقة، وتفتح أمامه طرقاً قاسية قد يختارها تحت ضغط الحياة اليومية أكثر مما يختارها عن اقتناع فكري، ولذلك تحتاج الكرامة إلى مقالة مستقلة تقترب منها بما تستحقه من هدوء ودقة.
كل سلطة تسمع وتتابع عبر عيونها وآذانها: احتجاجاً مدوياً على مدى أسبوع كامل، بل يوم، أو حتى ساعة، بل حتى على امتداد زمن مجرد صرخة: مناشدة، استنجاد، استغاثة، ثم تواصل التعامل معه ببرودة، فهي تخلق لدى مواطنيها انطباعاً بأنها مشغولة بإدارة الجغرافيا وما فيها من منافع وبهارج، ولا تدخل حياة المواطنين ضمن جدول اهتماماتها إلا على نحو: ادعائي، إعلاني، منافق، لأن سلسلة الشكاوى عندما تتراكم تتحول إلى بركان احتجاجي، ينبىء بأن المجتمع قد دخل بوابة مرحلة جديدة من علاقته مع السلطة، وأن المسافة بين الطرفين اتسعت إلى حد يدعو إلى القلق، بل الخطر المحدق بجميعهم، في آن واحد!؟
كما يخطر في بالي، وأنا في مقام المحطة التقويمية الأخيرة لما أتناوله، هنا، أمر آخر، يتعلق بجوهر وظيفة الإعلام” الوطني”، إذ تصعب معرفة مقدار الحضور الذي تمنحه وسائل إعلام دمشق لاحتجاجات الجزيرة، كما يخطر في البال احتمال أن يقرأ إعلام الإدارة الذاتية- وقياداتها هذه الاحتجاجات على أنها رسالة موجهة إلى دمشق وحدها، مع أن المواطن أُكره طوال عقد ونيف أن يكون ضحية سياسات خاطئة وضعها المتسلطون باسمها على الشعب، ممن عانوا من وطأة أوزارها، يوماً بعد آخر، ولذلك فإن المحتجون يوجهون نداءهم إلى كل سلطة شاركت في إنتاج هذا الواقع، ويحتفظ بحقه في تقويم، و مخاطبة كل طرف مارس السلطة فوق أرضه.
وتبقى دمشق معنية بما يجري مهما تعددت المسوغات و التأويلات والتفسيرات، لأنها تمتلك موقع الدولة، ولأن المواطن انتظر انتهاء الحرب، كي تصان استحقاقات الناس اليومية، ويؤمن لكل بيت حاجاته الأساسية، في ظل حالة الاستقرار التي بادر لنسفها، من خلال: ميليشياته، بدءاً من صون كرامته، وتأمين رغيف الخبز والدواء، وليس انتهاء بتوفير الكهرباء والماء و حق العمل، وعند هذه النقطة وحدها تكتمل الرسالة التي يكتبها اليوم السابع من الاحتجاجات، لأنها رسالة انطلقت من حاجة المحتجين ومن يمثلونهم من السواد السوري الأعظم، ا قبل أن تنبثق من حناجرهم.