بنكين محمد
ليست الأوطان أبنيةً من إسمنتٍ وحجر، ولا مؤسساتٍ تحمل أسماء رسمية، بل هي منظومة من القيم والثقة والعدالة وسيادة القانون. وحين تُستنزف هذه القيم بفعل الفساد، وتُدار مؤسسات الدولة بمنطق المصالح الضيقة، يصبح الحديث عن الإصلاح مجرد شعار يفقد معناه، ما لم يرافقه تغيير حقيقي في النهج والمسؤولية.
لقد أثبتت تجارب الشعوب، قديماً وحديثاً، أن الذين اعتادوا استغلال السلطة لتحقيق المكاسب الخاصة لا يتحولون فجأة إلى دعاةٍ للإصلاح، وأن من راكم الأزمات على حساب المواطنين لا يستطيع أن يقود مشروعاً وطنياً للإنقاذ. فالإصلاح ليس خطاباً سياسياً يُلقى في المناسبات، بل ممارسة يومية تقوم على النزاهة، والشفافية، والمحاسبة، واحترام القانون.
إن أخطر ما يصيب أي دولة ليس الفساد المالي وحده، وإنما تطبيع الفساد وتحويله إلى أسلوب إدارة. فعندما يشعر المواطن بأن الحقوق تُمنح وفق النفوذ، وأن الكفاءة تتراجع أمام الولاءات، وأن المال العام أصبح وسيلة للإثراء الشخصي، تتآكل الثقة بين المجتمع والدولة، ويصبح استعادة تلك الثقة أصعب من بناء ما تهدم من حجر.
لقد دفعت الشعوب ثمناً باهظاً نتيجة سوء الإدارة واستغلال النفوذ وغياب المساءلة. تراجعت الخدمات، وازدادت الأعباء المعيشية، واتسعت الفجوة بين الحاكم والمحكوم، بينما بقي المواطن وحده يدفع فاتورة الأخطاء التي لم يكن شريكاً في صنعها. ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا تجاهل هذه الحقائق أو حاول تجاوزها دون محاسبة عادلة ومسؤولة.
إن بناء الدولة يبدأ حين تصبح المسؤولية تكليفاً لا امتيازاً، وحين يكون المنصب وسيلة لخدمة الناس لا باباً لتحقيق المصالح الشخصية. فالدول التي نهضت لم تفعل ذلك لأنها امتلكت موارد أكثر، بل لأنها امتلكت مؤسسات قوية، وقوانين تُطبق على الجميع، وإدارة تؤمن بأن خدمة المواطن هي جوهر الشرعية السياسية.
ولا يعني ذلك أن الإصلاح مسؤولية الحكومات وحدها، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب وعياً مجتمعياً يرفض الفساد مهما كان مصدره، ويطالب بالشفافية والمساءلة دون انتقائية. فالأمم لا تتقدم بالصمت على الأخطاء، ولا بالمزايدات والشعارات، وإنما بإعلاء قيمة القانون وحماية المال العام وصيانة كرامة الإنسان.
إن التاريخ لا يتذكر من جمع الثروات على حساب أوطانهم، بل يخلّد أولئك الذين وضعوا مصلحة الوطن فوق مصالحهم الشخصية، وحافظوا على مؤسسات الدولة، ورسخوا العدالة بين الناس. فالمناصب زائلة، أما الأوطان فتبقى، وهي تستحق رجال دولة يحملون مشروعاً وطنياً، لا تجار أزمات يجيدون الاستثمار في معاناة الشعوب.
ويبقى الدرس الأوضح في كل التجارب أن نهب الأوطان قد يكون أسهل من بنائها، وأن من امتدت يده إلى المال العام، أو أسهم في إضعاف مؤسسات الدولة، لا يمكن أن يكون الضامن الحقيقي لنهضتها. فالأوطان تُبنى بالإرادة الصادقة، والكفاءة، والنزاهة، واحترام القانون، لا بالمصالح الضيقة ولا بالشعارات المؤقتة.
فاللصوص قد يملكون القدرة على هدم الأوطان واستنزاف مقدراتها، لكنهم لن يملكوا يوماً القدرة على بنائها، لأن البناء يحتاج إلى ضمير، وما لا يملكه الضمير لا تمنحه السلطة.