حرائق الحقول الزراعية… من المسؤول عن احتراق لقمة الناس؟

شادي حاجي
في كل موسم حصاد تقريباً، يتكرر المشهد نفسه في محافظة الحسكة: حقول تحترق، ومزارعون يركضون خلف النيران بوسائل بدائية، وخسائر تتراكم في واحدة من أهم المناطق الزراعية في سوريا. الجديد ليس وقوع الحرائق، بل استمرار عجز الجهات المسؤولة عن منعها أو التعامل معها بالسرعة والكفاءة المطلوبتين.
ما يحدث لم يعد مجرد حوادث موسمية متفرقة يمكن تبريرها بالظروف الجوية أو ارتفاع درجات الحرارة. نحن أمام أزمة إدارة وتخطيط ومسؤولية عامة، لكننا أيضاً أمام سؤال أعمق وأكثر حساسية: أين ذهبت منظومات الرقابة والمساءلة، ولماذا تتحول الكوارث المتكررة إلى أمر طبيعي لا يترتب عليه أي محاسبة حقيقية؟
فالحرائق التي تتكرر عاماً بعد عام لم تعد مفاجأة لأحد، ومع ذلك يبدو أن الجهات المعنية تتعامل معها وكأنها أحداث غير متوقعة، وكأن لا أحد مسؤول عن منعها قبل وقوعها أو تقليل خسائرها بعد اشتعالها.
تقع المسؤولية المباشرة أولاً على الإدارة الذاتية التي تدير معظم مناطق المحافظة وتمتلك السلطات التنفيذية والأمنية والخدمية على الأرض. فمن حق المزارعين أن يسألوا: أين خطط الوقاية المسبقة؟ أين نقاط المراقبة الموسمية؟ أين الانتشار الوقائي خلال فترات الحصاد؟ وأين الاستثمارات الحقيقية في تجهيزات الإطفاء والبنية التحتية الخاصة بمواجهة الكوارث الزراعية؟
كما أن محافظ الحسكة، بوصفه ممثلاً للسلطة التنفيذية الرسمية في المحافظة، لا يمكن أن يبقى بعيداً عن دائرة المساءلة السياسية والإدارية. فالمحافظة ليست مجرد جهة تصدر بيانات بعد وقوع الكارثة، بل مؤسسة يفترض أن تقود جهود التنسيق والاستعداد والاستجابة. وعندما تتكرر الخسائر بالوتيرة نفسها كل عام، يصبح من المشروع التساؤل عن فعالية الخطط والإجراءات المتبعة، وعن أسباب استمرار الثغرات دون معالجة جادة.
أما السلطة الانتقالية في دمشق، فهي الأخرى مطالبة بتحمل مسؤولياتها الوطنية تجاه محافظة تمثل ركناً أساسياً في الأمن الغذائي السوري. فمن غير المقبول أن تبقى المناطق الزراعية الكبرى خارج أولويات الدعم والتجهيز والحماية، بينما يواجه المزارعون مصيرهم وحدهم أمام النيران والخسائر المتراكمة.
لكن المشكلة الأعمق التي لا يمكن تجاهلها هي أن هذا المشهد المتكرر لم يعد مجرد خلل إداري أو نقص إمكانيات فقط، بل يرتبط أيضاً بغياب المحاسبة الفعلية وتغلغل شبكات المصالح والفساد الإداري والمالي في مفاصل القرار المحلي. فحين تتكرر الكارثة نفسها لسنوات دون تغيير حقيقي، يصبح السؤال مشروعاً: من المستفيد من استمرار هذا العجز؟ ولماذا لا تُفتح ملفات جدية لمراجعة الأداء، ومساءلة المقصرين، وكشف أوجه الهدر أو الإهمال أو التواطؤ إن وُجد؟
إن غياب الرقابة الفعلية، وضعف الشفافية، وتحول المؤسسات إلى هياكل تصدر ردود فعل بعد الكارثة بدل أن تمنعها، كلها مؤشرات على خلل بنيوي لا يمكن فصله عن منظومة إدارة عامة تعاني من الترهل، وأحياناً من تغول المصالح على حساب المصلحة العامة.
وفي هذا السياق، لا يكفي الاكتفاء برصد الأضرار أو إصدار بيانات الإدانة، بل لا بد من فتح تحقيقات جدّية وشفافة من قبل الجهات المختصة، ومتابعة ملابسات هذه الحرائق بشكل دقيق ومسؤول. فمسار العدالة يجب أن يأخذ مجراه كاملاً إذا ما تبيّن وجود أيادٍ آثمة تقف خلف ارتكاب هذه الجرائم التي تطال الأمن الغذائي ولقمة عيش الناس، مع ضرورة محاسبة كل من يثبت تقصيره أو تورطه، أياً كانت صفته أو موقعه.
إن غياب الرقابة الفعلية، وضعف الشفافية، وتحول المؤسسات إلى هياكل تصدر ردود فعل بعد الكارثة بدل أن تمنعها، كلها مؤشرات على خلل بنيوي لا يمكن فصله عن منظومة إدارة عامة تعاني من الترهل، وأحياناً من تغول المصالح على حساب المصلحة العامة.
المشكلة الحقيقية أن الخطاب الرسمي، بمختلف مستوياته، غالباً ما يبدأ بعد احتراق المحاصيل لا قبل ذلك. تُصدر التصريحات، وتُعلن لجان المتابعة، وتُقدَّم الوعود بالتعويض أو التحقيق، لكن المزارعين لا يرون تغييراً ملموساً على الأرض. وبين موسم وآخر، تتكرر الكارثة وتتكرر معها الأسئلة ذاتها دون إجابات مقنعة أو نتائج محاسبة واضحة.
إن حماية الحقول الزراعية ليست قضية خدمية هامشية، بل قضية أمن اقتصادي واجتماعي وغذائي. وكل دونم يحترق بسبب غياب الوقاية أو ضعف الجاهزية يمثل فشلاً في إدارة الموارد العامة قبل أن يكون خسارة زراعية. والمواطن الذي يرى محصوله يحترق أمام عينيه لن يقتنع بأن المشكلة مجرد ظرف طارئ، عندما تكون الكارثة نفسها قد تكررت مرات عديدة دون أن تفرض تغييراً حقيقياً في السياسات والإجراءات.
اليوم لم يعد المطلوب بيانات تضامن جديدة، بل مراجعة صريحة وشجاعة للأداء الإداري والأمني والخدمي، وفتح ملف المساءلة بعيداً عن المجاملات أو التبريرات الجاهزة. فاستمرار الحرائق بالوتيرة نفسها يعني أن المشكلة أعمق من مجرد نقص الإمكانيات؛ إنها مشكلة أولويات، ومشكلة إدارة، ومشكلة غياب التخطيط الاستباقي، والأهم من ذلك كله: مشكلة غياب المحاسبة.
وحتى يحدث ذلك، سيبقى السؤال معلقاً فوق الحقول المحترقة في الحسكة: كم موسماً آخر يجب أن يخسره المزارعون قبل أن تتحول حماية الزراعة من شعار سياسي إلى سياسة فعلية على الأرض؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…