حين يصرخ الشارع الكوردي: من سرق الموارد ومن أوصل الناس إلى حافة الانفجار؟

حسن قاسم
ما تشهده المناطق الكوردية في سوريا من اعتصامات ومظاهرات ليس حدثاً عابراً، ولا يمكن اختزاله في رد فعل آني على أزمة معيشية طارئة. ما يجري هو تعبير متراكم عن غضب شعبي ناتج عن سنوات طويلة من سوء الإدارة، وغياب الشفافية، وانعدام المساءلة، رغم أن هذه المناطق تُعد من أغنى مناطق سوريا بالموارد الطبيعية والزراعية.
السؤال الذي يطرحه الناس اليوم بوضوح وجرأة: أين ذهبت كل هذه الموارد؟
النفط والغاز، المعابر الحدودية، الضرائب، المحاصيل الزراعية، والمساعدات الدولية… كلها كانت تشكل مصادر دخل ضخمة كان يفترض أن تُترجم إلى مشاريع تنموية، وبنية تحتية، وفرص عمل، وخدمات أساسية تحفظ كرامة الناس. لكن الواقع يقول العكس تماماً: فقر متزايد، بطالة خانقة، انهيار خدمي، وتراجع في مستوى التعليم والصحة، حتى بات المواطن يشعر أنه يعيش فوق بحر من الثروات لكنه محروم من أبسط حقوقه.
هذه المفارقة لا يمكن تبريرها بشماعة الحرب فقط، ولا بالحصار، ولا بالمؤامرات الخارجية. نعم، هناك ظروف موضوعية معقدة، لكن ذلك لا يعفي الجهات المسيطرة على الأرض من مسؤولياتها السياسية والأخلاقية والقانونية تجاه السكان.
المسؤولية تبدأ أولاً من الإدارة التي احتكرت القرار السياسي والاقتصادي، وأدارت الموارد بعيداً عن الرقابة الشعبية والمؤسساتية. عندما تغيب الشفافية، يصبح الفساد احتمالاً قائماً، وعندما تُحتكر السلطة، تتحول الموارد العامة إلى ملف مغلق لا يملك الشعب حق الاطلاع عليه.
لهذا، فإن المظاهرات القائمة اليوم ليست خروجاً على النظام العام، بل هي ممارسة طبيعية ومشروعة لحق أصيل تكفله مبادئ حقوق الإنسان، وفي مقدمتها حرية التعبير والاحتجاج السلمي والمطالبة بالعدالة الاجتماعية.
لكن الخطأ الأكبر أن تبقى هذه التحركات محصورة في دائرة الشعارات الرمزية أو بيانات التضامن التقليدية. البيانات مهمة في تثبيت الموقف، لكنها لا تكفي. الشارع يحتاج إلى فعل سياسي حقيقي، وإلى اصطفاف وطني مسؤول يقف مع مطالب الناس لا فوقها.
المطلوب اليوم ليس فقط تحسين الواقع المعيشي، بل فتح ملفات المساءلة بشجاعة: من يدير الموارد؟ كم تبلغ الإيرادات الفعلية؟ أين صُرفت؟ ومن المستفيد من هذا الاقتصاد المغلق؟
هذه أسئلة لا يجوز اعتبارها خطوطاً حمراء، لأن المال العام ملك الشعب، ومن حقه أن يعرف كيف يُدار وكيف يُصرف.
إن المطالبة بتشكيل لجان تحقيق مستقلة، ومراجعة ملفات الفساد، وتقديم كل من يثبت تورطه في إهدار المال العام أو استغلال النفوذ إلى القضاء، لم تعد مطلباً سياسياً فقط، بل ضرورة أخلاقية ووطنية لإنقاذ ما تبقى من الثقة بين المجتمع والسلطة.
التاريخ يثبت أن الشعوب قد تصبر طويلاً، لكنها حين تصل إلى لحظة الانفجار، لا تعود تقبل بالمسكنات. والشارع الكوردي اليوم يبعث برسالة واضحة: الكرامة ليست قابلة للمساومة، والحقوق لا تُمنح بل تُنتزع بالنضال السلمي الواعي.
من يظن أن بإمكانه احتواء هذا الغضب بالوعود أو القمع أو حملات التخوين، يخطئ في قراءة المرحلة. المطلوب إصلاح جذري، لا تجميل مؤقت.
لأن القضية لم تعد قضية خبز أو محروقات فقط، بل قضية عدالة، وكرامة، وحق شعب في معرفة مصير ثرواته ومستقبله. ومن دون محاسبة حقيقية، سيبقى السؤال معلقاً في ضمير الناس:
من سرق ثروات المنطقة؟ ومن سيدفع ثمن هذا الخراب؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…