عبد الجابر حبيب
يبدو أن السوريين اكتشفوا اختراعاً لم تعرفه البشرية من قبل: القدرة على رؤية الكارثة والادعاء أنها مجرد سوء تفاهم.
الإعلام عندنا بخير، لا تقلقوا. إنه إعلام ملتزم، ملتزم بالصمت طبعاً. فإذا ارتفع سعر الخبز، بحث عن خبر افتتاح حديقة صغيرة. وإذا احترقت جيوب الناس، نشر تقريراً عن ابتسامة مسؤول وهو يغرس شجرة. أما إذا سأل أحدهم عن الحقيقة، أجابه المذيع بوجه جاد: الظروف استثنائية… حتى صارت الظروف هي المواطن الوحيد الذي لم يتغير في هذا البلد.
أما المثقف، فقد دخل مرحلة جديدة من التطور. لم يعد يبيع قلمه، فهذا تعبير قديم. صار يخجل من قلمه نفسه. يخبئه في جيبه كأن بينهما ثأراً قديماً. تهمس له الورقة: اكتب. فتقول يداه المرتجفتان: وماذا لو خسرنا الكرسي؟ فيختار السلامة، ويترك الحقيقة واقفة في العراء، ترتجف وحدها.
في سورية تبدلت معايير الكرامة. لم يعد السؤال: ماذا قدمت للناس؟ وإنما كم مرة صفقت؟ وكم مرة سكت؟ وكم مرة استطعت أن تنظر إلى وجع الناس وتغير القناة؟
والأعجب أن المنطق نفسه هاجر من البلاد. في أشد سنوات الحصار، والعقوبات. حين كانت الناس تمني نفسها بأن الغد سيكون أرحم. وحين خفت القيود، اكتشف المواطن أن الأسعار أسرع من الأحلام. الوقود يحلق، والخبز ينكمش، والرغيف نفسه دخل في حمية قاسية حتى فقد هيبته القديمة. أما الزيت والسكر والأرز وسائر المواد، فقد قررت أن تعيش حياة أرستقراطية لا تليق بالفقراء.
كلما جاء موسم خير، واستبشرت الأسواق من كثرة النعم، سارع التجار إلى رفع الأسعار حتى لا يصاب المواطن بداء التفاؤل. وكلما زاد راتب الموظف بضعة أضعاف، قفزت الأسعار عشرات الأضعاف، وكأنها تريد أن تثبت أنها الأكثر نشاطاً في الاقتصاد الوطني.
وفي الطرف الآخر من المشهد، تمر سيارات حديثة تلمع تحت الشمس، بينما يقف رجل يحمل كيس خبز، كأنه يحمل وليمة عامرة بالفروج واللحوم والمشاوي على اختلاف أصنافها. هنا يبتسم أحدهم ويؤكد أن الأمور بخير، وهناك أم تحسب ثمن وجبة العشاء قبل أن تحسب عدد أفراد أسرتها.
المجتمع السوري اليوم بين فكي كماشة؛ أناس يصرخون بصمت حتى بحّت أصواتهم، وأناس يضحكون بأسنان بيضاء مزروعة بعناية، حتى يبدو الفرق بين الفريقين أكبر من أن يردم بكلمة أو بخطاب أو بنشرة أخبار.
ويبقى السؤال معلقاً فوق الرؤوس: هل يوجد رجل شجاع يقول: إن ما يجري يستحق المراجعة؟ رجل يقارن بين الأمس واليوم بعين مفتوحة لا بعين واحدة؟ رجل يعترف بأن محبة الوطن لا تعني التصفيق لكل شيء، وأن النقد ليس خيانة، وأن السكوت ليس حكمة دائماً؟
لا أدري.
لكنني أعرف أن الأوطان لا تتعب من الفقر وحده، بل تتعب أكثر عندما يتحول الصمت إلى وظيفة، والتملق إلى فضيلة، والخوف إلى وجهة نظر، بينما الحقيقة تجلس في آخر الصف، ترفع يدها منذ سنوات، ولا يمنحها أحد حق الكلام.