عبداللطيف محمد أمين موسى
إن معاناة الشعب الكوردي في سوريا؛ المتجسدة في محاولة كافة الأنظمة المتعاقبة على حكم سوريا منذ تأسيس الدولة السورية تحت حكم الاستعمار الفرنسي؛ المتمثلة في محاولات قتل الشعور القومي، وإلغاء الهوية القومية والوطنية عبر حرمان الشعب الكوردي من أي أشكال الحكم الذاتي بخلاف تقسيم سوريا إلى خمس مناطق حكم ذاتي. إن معاناة الشعب الكوردي في سوريا كانت مريرة مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، ولا سيما بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وتقسيم أراضي الشعوب التي كانت تقع تحت سلطة تلك الإمبراطورية من قبل دول الحلفاء. حيث ضمت أراضي كوردستان الغربية إلى الانتداب الفرنسي، ومع تشكل الدولة السورية نتيجة الاتفاقيات الاستعمارية والانسحاب الفرنسي عام 1946، وعلى عكس ما كانت تروج له السياسات البعثية لتشويه الشعب الكوردي ومحاولاتها خلق شرخ بين الأقليات والمكونات السورية وإبعاد الكورد عن باقي مكونات الشعب السوري.
شارك الكورد منطلقين من واجبهم الوطني، ومؤمنين بضرورة المساهمة والمشاركة في بناء الدولة السورية، وشاركوا في طرد الاستعمار من خلال وزير الدفاع يوسف العظمة وثورات إبراهيم هنانو، كما أن أول رئيس سوري محمد علي العابد الكوردي كان كورديا، وخالد العظم وحسني الزعيم وثورة بياندور وقتل الجنرال روغان، لتشكل كل هذه الأحداث حقائق أساسية حاول البعث تقديمها بصورة معاكسة للشعب السوري عبر تشويه صورة الشعب الكوردي في سوريا.
لقد وجد الكورد أنفسهم مكونا أساسيا يشارك الشعب السوري في بناء سوريا إلى اغتصاب البعث للسلطة عام 1963 وسياساته الشوفينية بحق الكورد من الإصلاح الزراعي والإحصاء الجائر ونزع الجنسية وغيرها من السياسات. ومن هنا كانت ولادة أول كيان كوردي في سوريا كرد فعل على هذه السياسات الشوفينية العنصرية.
جاء تأسيس البارتي كمطلب قومي جماهيري، الحزب الديمقراطي الكردي (البارتي)، في 14 حزيران 1957 تحت شعار (تحرير وتوحيد كوردستان). جاء تأسيس البارتي ككيان منظم في تعزيز الفكر القومي الكوردي في سوريا، وكما أن الأمر الذي يدفعنا إلى الإجابة عن السؤال الأساسي المتمثل في الدوافع الحقيقية لتأسيس الفكر القومي الكوردي والحزب الديمقراطي الكردي البارتي في سوريا، إن الدوافع الأساسية في ولادة الفكر القومي الكوردي والبارتي تتمثل في أنها نابعة من الظلم والمعاناة، وكذلك رغبة الشعب الكوردي في سوريا في التعبير عن وجودهم في المناطق السورية.
إن التأثير القومي لمدرسة البارزاني الخالد الذي أدى إلى بلورة تأسيس نواة الفكر القومي الكوردي في كوردستان سوريا لتكمل مسيرة الفكر القومي المتجسدة في استكمال سلسلة التنظيمات التي سبقتها والمتمثلة في جمعية خويبون عام 1927 في مدينة قامشلو من كبار شخصيات ومثقفي الشعب الكردي، وتجمع مثقفي هاوار سنة 1919، ومجلة هاوار عام 1932، وكذلك جمعية التعاون ومساعدة الفقراء عام 1932 في الحسكة، وجمعية شباب الكورد عام 1938 في عامودا، وكومالا هيفي التي أسسها نورالدين ظاظا في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي في دمشق وكانت تراسل البعثات الأجنبية.
إن أهمية تأثير نهج البارزاني الخالد ونضاله الثوري في كوردستان العراق كانت ذات التأثير الأبرز في دعم تأسيس البارتي وتعزيز الفكر القومي في كوردستان سوريا، وتمثلت هذه الأهمية في أنه كان للأب الروحي للشعب الكوردي ونضاله الثوري دور كبير في دعم تأسيس البارتي والفكر القومي والوعي التحرري لدى الشعب الكوردي في سوريا من خلال جملة أمور من أهمها الدعم القومي والمتمثل في حقيقة أساسية، ألا وهي أن كوردستان موحدة وتم تقسيمها من قبل الأعداء، وكما لا بد من استمرارية النضال لتوحيد كوردستان، وأن قوة أي جزء من كوردستان تعتبر قوة للجزء الآخر، والتأكيد على التشارك في الوجود ومقاومة كافة محاولات إلغاء الهوية القومية والوطنية، والعمل على مكافحة كافة مظاهر المعاناة والظلم ومحو الفكر القومي الكوردي في كوردستان سوريا.
الأمر الآخر الذي جسد دعم نهج البارزاني الخالد لتأسيس البارتي وتعزيز الفكر القومي في كوردستان سوريا تجسد في الدعم التاريخي الذي يكمن في تجسيد الفكر القومي الكوردي، وكذلك المشروع القومي الكوردستاني، وكما أن كوردستان ذات وجود تاريخي متأصل في المنطقة.
الأمر الآخر الذي يؤكد أهمية تأثير نهج البارزاني الخالد ونضاله الثوري على تأسيس البارتي والفكر القومي الكوردي في سوريا تمثل في الدعم العقائدي من خلال عدة أمور من أهمها أن الشرارة الأساسية في تأسيس بارتي ديمقراطي كوردستان عام 1946 مهدت لتأسيس أول كيان كوردي في سوريا عام 1957، وكذلك نضال الشيخ عبدالسلام بارزاني الذي يعتبر الأساس في تأسيس مدرسة النضال القومي الكوردستاني، وكذلك محاولات البارزاني الخالد توحيد نضال الشعب الكوردي في سوريا وإفشال خطط الأعداء في تقسيم أبناء كوردستان سوريا، وكما أن تعزيز البارتي واستمراريته في خدمة نهج البارزاني الخالد في كوردستان سوريا عزز ثقة المجتمع الكوردي، ودعم إنشاء الرئيس مسعود بارزاني للمجلس الوطني الكوردي لتوحيد الخطاب السياسي الكوردي، وكما أن تعزز الثقة بنشاط البارتي ورسالته النبيلة دفع المرجع الكوردستاني المتمثل بالرئيس مسعود بارزاني إلى دعم قوات بيشمركة روز لحماية المكتسبات الكوردية والدفاع عن الحقوق والشعب في كوردستان سوريا.
الأمر الآخر الأكثر أهمية الذي أكد تأثير نهج البارزاني الخالد ونضاله الثوري في تأسيس البارتي والفكر القومي والوعي التحرري في كوردستان سوريا تمثل في الدعم الثقافي، وتكمن أهمية هذا الدعم في أن الكورد قومية موحدة، وأن اللغة الكوردية لغة واحدة، وكما أن الآمال والمعاناة والسياسات العنصرية تجعل من الكورد موحدين ومصرين على النضال وإفشال السياسات العنصرية، وأن الكورد يمتلكون إرثا حضاريا وثقافيا.
إن هذه الحقيقة التاريخية والعقائدية والفكرية في أن تأسيس النواة الحقيقية للبارتي، والذي ارتبط بتعزيز وترسيخ الفكر القومي الكوردي في سوريا، يعود إلى أمرين أساسيين لا يمكن إنكارهما مهما اشتدت حملات التحريض والتجييش ضد البارتي، وهما أن تأسيس البارتي يعود إلى الشعور الوطني لدى الشعب الكوردي في سوريا وضعف حالة الانتماء نتيجة التهميش والإقصاء والإصرار على المركزية والشمولية والاستفراد بالسلطة والقرار، رغم ما قدمه الشعب الكوردي لبناء سوريا ومحاولة تأسيسها بعد الاستقلال، الأمر الذي ووجه بالرفض والاعتقال ومحاولات التعريب وإفراغ الشعور الوطني من خلال تهميش كافة المناضلين الكورد في الحزب الشيوعي واعتقال الضباط السوريين الأحرار وإلغاء الحياة السياسية والديمقراطية وتعزيز الشمولية والديكتاتورية، مما دفع الشعب الكوردي إلى الحاجة في تأسيس تنظيم سياسي ينظم النضال الكوردي في سوريا ويعايش المعاناة والظلم والقهر والحرمان، ويكون الحلقة والمنطلق الأساسي في النضال السياسي للدفاع عن الحقوق القومية والوطنية والثقافية للشعب الكوردي في سوريا، فكان تأسيس البارتي مكملا ومعززا للشعور القومي والفكر والوعي القومي التحرري الكوردي في سوريا.
أما الدافع الأساسي الثاني في الحاجة الملحة لتأسيس البارتي فهو تأثر النضال القومي الكوردي في كوردستان سوريا بالنضال الثوري والفكر القومي والوعي التحرري في فلسفة ونهج الأب الروحي للشعب الكوردي ونضاله في كوردستان العراق، حيث رافق تأسيس البارتي رجوع البارزاني كقائد منتصر من الاتحاد السوفيتي بعد مسيرة من النضال وعدم الاستسلام في المهجر، ليشكل عودة الزعيم الروحي للشعب الكوردي في أجزاء كوردستان كافة، ولا سيما الجزء الغربي من كوردستان، المصدر الأساسي في إعادة انبعاث وانتعاش الفكر القومي الكوردي في كوردستان سوريا، وما رافقها من الدعم المتبادل بين جزئي كوردستان الجنوبية والغربية لدعم ثورتي أيلول وكولان، فكانت تلك الأحداث من أبرز وأعظم العوامل في تأسيس البارتي في كوردستان سوريا.
في المحصلة، يمكن القول إن الذكرى التاسعة والستين لتأسيس البارتي في سوريا هي العنوان والمنطلق لتجديد العهد على المضي في طريق تعزيز الفكر القومي الكوردي والوعي التحرري لدى الشعب الكوردي في سوريا، المؤمن بأنه مهما اشتدت المؤامرات والظروف لإيقاف مسيرة البارتي، فإنه سيبقى القلعة التي تتحطم على أفكارها ومبادئها ونضالها كافة المؤامرات.
في الذكرى التاسعة والستين لتأسيس البارتي في سوريا عاش نضال شعبنا على نهج البارزاني الخالد.
المجد والخلود لأرواح جميع شهداء كوردستان سوريا شهداء الحرية، وفي مقدمتهم الشهيد نصرالدين برهك والشهيد الحي بهزاد دورسن، أرجعه الله شامخا بين أهله ورفاقه.
عاش العلم الكوردي خفاقا في سماء كوردستان سوريا رغم المحن.
عاشت بيشمركة روز فكرا وعقيدة وشموخا بدعم من المرجع الكوردستاني الرئيس مسعود بارزاني.
الخزي والعار لأعداء كوردستان.