د. محمود عباس
فهذا الشاهد من الدلائل اللافتة على الحضور الكوردي في البنية العسكرية للإمبراطورية الساسانية. فقد أورد الشاعر الجاهلي عدي بن زيد، المولود نحو سنة 550م والمتوفى نحو سنة 600م، وصفًا للجيوش الساسانية التي أرسلها كسرى أنوشروان، في أواخر عهده، إلى اليمن لدعم سيف بن ذي يزن وطرد الاحتلال الحبشي. وتُؤرَّخ هذه الحملة غالبًا في حدود سنة 570م، ضمن الصراع الساساني–الحبشي على جنوب الجزيرة العربية، قبل أن يترسخ النفوذ الساساني في اليمن لاحقًا حتى بدايات القرن السابع الميلادي.
غير أن أهمية هذا الشاهد، بالنسبة إلى التاريخ الكوردي، لا تكمن في الحدث اليمني وحده، بل في الإشارة الصريحة إلى الكورد بوصفهم قوة مقاتلة حاضرة في صلب الجيش الساساني، بل ضمن القوة التي عبرت الصحراء وشاركت في واحدة من أبرز حملات ذلك العصر، إذ قال عدي بن زيد:
وجئن بكُردٍ من قرار بلادهمُ
يسيرون جمعًا كالدَّبا المتساند
وهذا البيت لا يقدّم مجرد صورة شعرية عابرة، بل يكشف جانبًا مهمًا من حضور الكورد في عمق المؤسسة العسكرية الساسانية، ويؤكد أن دورهم لم يكن هامشيًا أو معزولًا، بل كان جزءًا من القوة التي حملت نفوذ الإمبراطورية إلى أطراف بعيدة من المنطقة.
والأهم من ذلك أن هذا الشاهد يطرح سؤالًا مباشرًا على دعاة عروبة تلك المناطق: إذا كانت الجغرافيا التي يدّعي القبيسي عروبتها عربيةً خالصة، فلماذا يصف الشاعر العربي نفسه ذلك الجيش القادم من “قرار بلادهم” بأنه جيش من الكورد؟ ولماذا لم يقل إنهم عرب من تلك البلاد؟ هنا تسقط الدعاية أمام بيتٍ شعري واحد، لأن الشعر الجاهلي، في هذه الحالة، يشهد على ما تحاول القراءة المؤدلجة طمسه وإنكاره.
والأغرب من ذلك كله أن يرجع الدكتور محمد بهجت القبيسي ظهور الكورد إلى مرحلة الصراع الصفوي–العثماني، أي إلى بدايات القرن السادس عشر الميلادي، زاعمًا أنهم كانوا قبائل عربية أُبعدت عن جغرافيتها. غير أنه لا يوضح، في هذا الزعم المرتجل، هل يقصد الجزيرة العربية، أم الجغرافية الكوردستانية التي يدّعي أنها كانت عربية قبل أن يزعم أن سيف الدولة الحمداني أباد بعض قبائلها، فحلّ الكورد محلها. وهنا لا يعود الأمر مجرد خطأ في قراءة التاريخ، بل يتحول إلى عبث مركّب، يخلط بين القبائل، والجغرافيا، والإمبراطوريات، والخرائط، والأسماء، ليصنع سردية لا يقبلها منطق ولا يسندها تاريخ.
بهذا الادعاء يتجاهل القبيسي صفحات كاملة من تاريخ شعوب المنطقة، لا تاريخ الشعب الكوردي وحده، ثم ينتقي ما يناسبه ليجعله عربيًا، كما يفعل حين يحاول ربط الكلدانيين والبابليين بالعرب، أو حين يستند إلى كلمة “Arabia/Arabaia” في بعض المدونات القديمة وكأن كل ما حمل هذا الوصف الجغرافي صار عربيًا بالمعنى القومي الحديث. فـ “Arabia” في المدونات اليونانية والرومانية والعبرانية كانت وصفًا لمجالات جغرافية وقبلية واسعة، لا شهادة على عروبة كل أرض مرّ بها الاسم، ولا دليلًا على أن شعوب تلك المناطق كانت عربية الأصل والهوية.
وكأن القبيسي لم يسمع بكزينفون في “رحلة العشرة آلاف”، حين تحدّث في القرن الرابع قبل الميلاد عن الكاردوخيين الذين قاتلوا الجيش اليوناني في جبال ميزوبوتاميا العليا والأناضول أثناء انسحابه من عمق الإمبراطورية الأخمينية وتحديدًا بعد سنة 401 ق.م. هؤلاء سماهم اليونان بلغتهم “كاردوخيين”، كما سمّت الشعوب القديمة غيرها من الأقوام وفق أصواتها ومفاهيمها الجغرافية؛ تمامًا كما استُخدمت تسميات مثل “Arabia” أو “Arabaia” للدلالة على مجالات عربية أو شبه عربية في المدونات القديمة.
ومهما اختلف الباحثون في التفاصيل اللغوية بين الكاردوخيين والكورد، فإن هذه الشهادة القديمة تكشف وجود جماعات جبلية مستقرة ومقاتلة في المجال ذاته الذي يحاول القبيسي عزله عن التاريخ الكوردي، وذلك قبل الإسلام بقرون طويلة، وقبل الصراع الصفوي–العثماني بأكثر من ألف عام. وهي، في الحد الأدنى، تفند الزعم الساذج بأن التاريخ الكوردي صناعة متأخرة أو نتيجة صراع عثماني–صفوي، كما تفند محاولة حصر الكورد في شمال إيران وجنوب وغرب بحر قزوين بناءً على قراءة مبتسرة لخريطة ابن حوقل النصيبيني.
إن قراءة التاريخ بهذه الطريقة ليست بحثًا، بل هروب من التاريخ. فمن يتجاهل كزينفون، ويشوّه ابن حوقل، ويحوّل “Arabia” إلى صك ملكية قومية، ثم يجعل الكورد قبائل عربية مُبعَدة أو مهاجرة، لا يقدم دراسة، بل يقدّم مثالًا صارخًا على كيف يمكن للأيديولوجيا أن ترتدي قناع الاختصاص لتنتج واحدًا من أكثر أشكال الجهل خطورة: جهلًا واثقًا بنفسه، ومسلّحًا بلقب أكاديمي.
يتبع …
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م