ماهين شيخاني
1.
بعد عام 2011، لم تكن المفاجأة الكبرى هي سقوط الأنظمة، بل كانت مفاجأة أخرى، أشد ألماً وإيلاماً: سقوط الحركة الكوردية في فخها الخاص.
كانت البدايات واعدة. ثمة فرصة تاريخية لإعادة ترتيب البيت الكوردي، لانتزاع الحقوق التي طال انتظارها، ولوضع حدٍّ لسنوات من التهميش والإقصاء. لكن سرعان ما انقلبت الأمور رأساً على عقب. لم تكن القضية بحاجة إلى أبطال جدد، بل كانت بحاجة إلى عقلاء يحافظون على المنجز، ويواصلون المسيرة بروية وحكمة.
لكن ما حدث كان العكس تماماً.
2.
انتفخت الحركة الكوردية فجأة بقيادات جديدة، بوجوه طالعة من لا شيء، بخطابات لا تحمل مشروعاً ولا رؤية، لكنها تحمل طموحاً شخصياً لا يتجاوز حدود الكرسي.
انشقت الأحزاب. وتفرعت التنظيمات. وتعددت الجبهات. لم تكن الانشقاقات نابعة من خلاف فكري أو برنامجي، بل كانت نابعة من رغبة في المنصب، ومن حسابات ضيقة، ومن علاقات مع جهات إقليمية استغلت هذا التشرذم لخدمة أهدافها الخاصة.
ظهر صحفيون وإعلاميون لا يجيدون غير نقل الخبر، لا تحليلاً ولا نقداً ولا مسؤولية. وأدباء وفنانون لم تصنعهم الموهبة، بل صنعهم الفراغ والمناسبات. وتسلق منابر القيادة أناس لم يحملوا السلاح ولم يحملوا الحلم، بل حملوا الملفات الفارغة.
لم يكتف هؤلاء بأن يكونوا عبئاً ثقيلاً على الحركة، بل صاروا مصدراً لشق الصف وتمزيق الوحدة. حوّلوا خلافاتهم الحزبية إلى صراعات دموية، وظهروا في الإعلام يتبادلون الاتهامات، وكأن القضية الكوردية ساحة حرب بينهم، لا قضية شعب يتطلع إلى الحرية.
3.
الأدهى من ذلك أن بعضهم لم يتردد في الاستعانة بأطراف إقليمية لتوجيه الضربات إلى خصومه الكورد. فضربوا بعضهم ببعض، وفتحوا جبهات داخلية أشد شراسة من مواجهة العدو المشترك. استخدموا الإعلام لتشويه سمعة الآخرين، وسخّروا علاقاتهم مع جهات خارجية لكسب النفوذ على حساب القضية نفسها.
وهكذا، تحولت الوحدة الكوردية إلى خريطة ممزقة: حزب ضد حزب، وجبهة ضد جبهة، وإعلام يسب إعلاماً، وتاريخ يُعاد كتابته لإقصاء الرموز الحقيقية، وتزييف للنضال لمصلحة وجوه جديدة لا تملك من الكفاءة سوى الجرأة على الظهور.
4.
والنتيجة؟ قضية كوردية تترنح. ليس بين أيدي الأعداء وحدهم، بل بين أنياب أبنائها الذين صاروا جنوداً في حروب لا تخدم الكورد، بل تخدم أجندة التقسيم والإضعاف. صارت الحركة الكوردية تحمل في ركابها كتلاً بشرية، أكثر من تسعين بالمئة منها لا تمثل إضافة، بل عبئاً ثقيلاً على القضية.
لم يُقدموا فكرة، ولم يخلقوا حالة، ولم يضيفوا حلماً. فقط استهلكوا زخماً، واستنزفوا طاقة، وشتتوا الأهداف، وتشاجروا على الغنائم قبل أن يحرروها.
في الوقت الذي كان يجب أن يوحدوا صفوفهم لمواجهة الخطر المشترك، انخرطوا في حروبهم الصغيرة، وتركوا الساحة للأعداء والمتربصين يلتهمون ما تبقى من إنجازات الحركة الكوردية.
5.
نعم، أعداؤنا كثر، وتربصاتهم قديمة. لكن جراح الحركة الكوردية اليوم لا تأتي من الخارج فقط، بل من جروحٍ نازفة تسبب بها أبناؤها قبل العدو. من سياسات آنية، وقيادات بلا مشروع، وإعلام بلا رسالة، وأدب بلا قضية، وفن بلا عمق.
صار الهم الأكبر عند البعض هو الحفاظ على المقعد، لا على المبدأ. وصارت الأولوية لصورة القائد، لا لكرامة الشعب.
شقّوا الصف حين آثروا المصالح الضيقة على المصلحة العليا. مزّقوا الوحدة حين جعلوا الخلاف الداخلي مقدمة على المواجهة مع المشروع القمعي المشترك.
6.
لكن الأمل لا يموت.
لا تزال في الزوايا البعيدة من هذه الحركة قلوب تعرف الطريق، وأقلام لا تبيع ضميرها، وجباه لم تسجد لصنم المنصب. وربما قريباً، يقرع جرس العقل أبواب الضمائر، فتعود القضية إلى من يحتضنها لا من يتكئ عليها.
فحين تُفرغ القضية من مضمونها، وتمتلئ بالوجوه الفارغة، فإن الخطر الأكبر لا يأتي من عدو يتربص، بل من صديق لا يستحق. وحين يدير الأبناء ظهورهم لبعضهم، لا يبقى أمام الأعداء إلا أن يصفقوا.
وهذه هي المأساة بعينها. ليست في قسوة الأعداء، بل في تخاذل الأبناء قبل أن يخونهم الحظ.