أمل حسن
تتجاوز المرأة الكردية في حضورها الملامح التي صاغتها الطبيعة من طهر الثلوج وصلابة الصخور، لتكون هي حكاية نضال ممتدة من بيوت الطين وجبهات الصمود إلى ساحات الثقافة والمهرجانات. هي التي تحمل في عينيها بريق الحرية، وفي خطواتها شموخ الجبال. عندما تسير في الساحات، لا تمشي كأي امرأة؛ بل تحمل في عباءتها عبق التاريخ، وفي ثوبها الفلكلوري الملون ثورة شعب يأبى النسيان. إنها تلخص معادلة الوجود؛ فبينما تقف في الساحات مناضلة من أجل الهوية، تطل في المهرجانات كأيقونة للجمال والحياة، محولةً تراثها إلى رسالة للعالم بأن الحفاظ على الثقافة هو الوجه الآخر للمقاومة والتاريخ.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز زاخو؛ تلك المدينة الجميلة الملقبة بروح الرئيس مسعود بارزاني، ومن طُهر تلك الروح غُرست فكرة الانتماء الحقيقي: عشق المواطن للوطن، وعشق الوطن للمواطن. إنها العلاقة الأزلية ما بين الأرض والشعب، الجمال والنضال، الغناء والوجود، اللغة والهوية. في زاخو، يثمر السلام من فوهة البنادق التي تحمل أغاني الجبال بعبق الثورات؛ تلك الأغاني التي صاغتها ألحان الراحلين الخالدين إياز زاخولي وأردوان زاخولي، فرسموا بنغماتهم خرائط جغرافية لوطن يقاوم، وثقافة تُبنى، وبأقلام تكتب عناوين الحياة لتبقى الهوية حية لا تموت.
وفي مشهدٍ تاريخيٍ مهيب خطف أنظار العالم واستوقف عدسات الصحافة الدولية، تحول كورنيش جسر “دلال” الأثري وقلعة القشلة في مدينة زاخو إلى ملحمة ثقافية تختزل جغرافيا الروح الكردية. هنا، في النسخة الرابعة من المهرجان الدولي للأزياء الكردية (Şal û Şapik)، تلاشت الحدود والمسافات؛ حيث تلاحمت حرائر كردستان وجاءت النساء والفرق الفنية من أجزاء كردستان الأربعة ليغزلن من خيوط الماعز والحرير والذهب لوحة بشرية موحدة، تعلن للعالم عن بقاء هذه الأمة وعمق بذورها. إن ما نشهده اليوم في هذا المهرجان ليس مجرد احتفال عابر، بل هو إرث حي سيتحول في المستقبل إلى متحف أثري ومهرجان دولي يرسخ الهوية الكردية بكل أبعادها.
وما زاد هذا المشهد شموخاً وعمقاً، هو افتتاح المهرجان برعاية وحضور رمز الأمة الكردية ونبضها التاريخي، السروك مسعود بارزاني. إذ أطل الرئيس متزيناً بالزي الكردي التقليدي الأصيل (الشال والشابك)، ليعيد إلى الأذهان إرث البيشمركة وكبرياء الجبال. وفي كلمة الافتتاح الوجدانية التي هزت القلوب، وجسدت ذلك الرابط التاريخي المقدس، استذكر الرئيس بارزاني عهده القديم مع هذه الأرض قائلاً لأهل زاخو: لقد قلت لكم ذات مرة إنكم قلبي، ثم كرر مؤكداً بعاطفة القائد والأب: والآن أقولها لكم؛ أنتم الروح التي أتنفس بها
.وفي ذروة هذا الألق، تجسدت الهوية في أبهى صورها حين صعدت المرأة الكردية على خشبة المسرح بزينتها وجمال تراثها، وهي تحمل طفلها الصغير بين صدرها، وتحتضن بكتفيها البندقية؛ مشهدٌ يختصر فلسفة الوجود الكردي، حيث ترضع طفلها الحب والأمان بيد، وتحميه باليد الأخرى من عاديات الزمن. ما أروع هذا النضال عندما يثبت للعالم أجمع مدى ارتباط الشعب الكردي الأبدي بعشق كردستان، لتظل هذه اللوحة الفنية والتاريخية بياناً صارخاً: أن الهوية الكردية مصانة بحكمة قادتها، ومحفوظة بجمال ونضال نسائها اللواتي يربطن ماضي هذا الشعب العريق بمستقبله المشرق