محمود أوسو
بدايةً، سنطرح سؤالًا أساسيًا: ما حقيقة العلاقات القائمة وسط هذا الضجيج الإعلامي؟
منذ اندلاع الحرب في غزة، تتبادل تركيا وإسرائيل التصريحات الحادة والشتائم العلنية على لسان مسؤولي البلدين. ومع ذلك، لم تنقطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بينهما بشكل كامل. فقد وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إسرائيل مرارًا بأنها أكبر تهديد للمنطقة وللعرب، واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه “قاتل ومجرم”. كما أعلن تعليق التبادل التجاري مع إسرائيل، ورفع دعاوى أمام المحاكم الدولية، في محاولة لتقديم نفسه بمظهر المدافع عن القضايا الإنسانية والمظلومين.
في المقابل، لا تزال تركيا تسمح للمواطنين الإسرائيليين بدخول أراضيها دون تأشيرة لمدة تصل إلى 90 يومًا، بينما تفرض التأشيرة على معظم المواطنين العرب، بمن فيهم عرب الداخل الفلسطيني (عرب 48)، باستثناء مواطني دول الخليج، وذلك لأسباب مرتبطة بالمصلحة الاقتصادية.
يخدم هذا الخطاب الحاد أردوغان على الصعيد الداخلي، إذ يساهم في حشد التأييد الشعبي وصرف الأنظار عن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا. كما يجد صدىً واسعًا لدى قطاعات من الشارع العربي والإسلامي التي تتأثر بالشعارات والخطابات العاطفية.
في الوقت نفسه، يبدو أن هناك تفاهمات غير معلنة بين أنقرة وتل أبيب بشأن مناطق النفوذ والمصالح المشتركة، ولا سيما في سوريا بعد انهيار النظام الأسدي. فليس لدى الطرفين مصلحة حقيقية في الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة.
ومن زاوية أخرى، يبرز ملف الكرد في التصريحات المتبادلة بين الجانبين. فبين الحين والآخر، يتهم نتنياهو الحكومة التركية بممارسة سياسات قمعية ضد الكرد، ردًا على انتقادات أردوغان لإسرائيل. كما يكرر مسؤولون إسرائيليون اتهام أردوغان، المنتمي إلى تيار الإسلام السياسي، باستهداف الكرد ودعم حركة حماس.
وتدرك إسرائيل أن تركيا تسعى إلى منع قيام كيان كردي في شمال سوريا على غرار إقليم كردستان العراق. وهنا يبرز السؤال: هل إسرائيل صادقة في دعمها للكرد، أم أنها تستخدمهم مجرد ورقة ضغط ومساومة؟
تقوم الاستراتيجية الإسرائيلية تاريخيًا على بناء علاقات وتحالفات مع الأقليات غير العربية لموازنة نفوذ خصومها في المنطقة. وقد وصف مسؤولون إسرائيليون الكرد في أكثر من مناسبة بأنهم حلفاء محتملون، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن إسرائيل نفسها أقلية في محيط إقليمي واسع. كما كان نتنياهو من أبرز القادة الذين أيدوا علنًا استفتاء استقلال إقليم كردستان عام 2017.
لكن، في المقابل، لا تقدم إسرائيل دعمًا علنيًا أو حاسمًا للكرد، الأمر الذي يدفع كثيرًا من الكرد إلى الحذر من تكرار تجارب تاريخية تُركوا فيها وحدهم في مواجهة خصومهم. ويستشهد البعض بما حدث في سوريا عندما واجهت القوات الكردية التدخل التركي والفصائل السورية المسلحة خلال عملية “غصن الزيتون” عام 2018، فضلًا عن الهجمات اللاحقة التي استهدفت مناطق ذات غالبية كردية في حلب والجزيرة السورية.
ومن جهة أخرى، يحاول أردوغان استثمار البعد العاطفي والديني في مخاطبة الشارع الكردي. ففي أحد خطاباته بمدينة دياربكر (آمد)، قال إن “أحفاد صلاح الدين الأيوبي لن يكونوا عبيدًا على أبواب الإسرائيليين”، في محاولة لتعزيز حضوره السياسي بين الأوساط الكردية المحافظة.
وعليه، يطرح السؤال نفسه مجددًا: هل تدعم إسرائيل الشعب الكردي بدافع القناعة والالتزام، أم أن الأمر مرتبط بحسابات المصالح فقط؟
يرى كثيرون أن إسرائيل تنظر إلى الكرد بوصفهم عامل توازن في مواجهة النفوذ التركي والإيراني، وأن دعمها لهم يظل مرتبطًا بالمكاسب السياسية والاستراتيجية التي يمكن تحقيقها.
وبناءً على ذلك، يمكن تفسير العداء الإعلامي المتبادل بين أنقرة وتل أبيب على أنه يخدم مصالح الطرفين بدرجات مختلفة. فأردوغان يكسب تعاطف قطاعات واسعة من الشارع العربي والإسلامي، بل وحتى بعض الكرد في تركيا، وقد تجلى ذلك في المظاهرات التي شهدتها مدينة آمد تضامنًا مع الفلسطينيين.
أما إسرائيل، فتسعى من خلال خطابها الإعلامي إلى كسب تعاطف الكرد واستخدامهم كورقة ضغط في مواجهة تركيا وإيران، ولتعزيز نفوذها في سوريا. كما يمكن أن يشكل الملف الكردي أداة ضغط على أنقرة لدفعها إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية.
في النهاية، لم تنقطع العلاقات بين تركيا وإسرائيل رغم كل التصريحات المتبادلة. وفي الوقت ذاته، يحتاج الكرد إلى دعم دولي لقضيتهم، لكنهم يجدون أنفسهم أمام معادلة معقدة: بين دولة تتهمهم بالخيانة والعمالة، وأخرى قد تنظر إليهم باعتبارهم ورقة ضغط أو حاجزًا استراتيجيًا يمكن الاستفادة منه مؤقتًا ثم التخلي عنه عندما تتغير المصالح والظروف السياسية.