شادي حاجي
من أغرب المفارقات في سوريا الحديثة أن الكردي، الذي ينتمي إلى قومية غير عربية، كان يجد نفسه في بعض الوثائق الرسمية مُعرَّفاً بصفة “عربي سوري”. قد يبدو الأمر للبعض مجرد تفصيل إداري أو مسألة شكلية لا تستحق النقاش، لكن الحقيقة أن هذه العبارة تختصر أزمة دستورية وسياسية عميقة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل سوريا دولة لجميع مواطنيها، أم دولة قومية عربية يعيش فيها الآخرون؟
المشكلة لا تبدأ من المواطن الكردي، بل من تعريف الدولة لنفسها. فعندما تختار الدولة اسم “الجمهورية العربية السورية”، فإنها لا تكتفي بتحديد موقعها الجغرافي أو اسمها الوطني، بل تضيف إلى ذلك تعريفاً قومياً رسمياً. هنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت الدولة عربية، فأين يقف المواطن غير العربي داخل هذا التعريف؟
يُقال عادة إن كلمة “العربية” تعبّر عن الانتماء الحضاري أو السياسي لسوريا إلى العالم العربي، لا عن قومية جميع مواطنيها. لكن هذا التبرير يصطدم بواقع بسيط وواضح: المواطن لا يتعامل مع التفسيرات النظرية بقدر ما يتعامل مع النصوص الرسمية والرموز القانونية. وعندما يرى الكردي أو السرياني أو الآشوري أن الدولة تصف نفسها بأنها عربية، فمن حقه أن يتساءل إن كانت هذه الدولة تعبر عنه بالقدر نفسه الذي تعبر فيه عن المواطن العربي.
إن الدولة الحديثة، من منظور دستوري، لا تقوم على انتماء قومي واحد، بل على مبدأ المواطنة المتساوية. فالجنسية رابطة قانونية بين الفرد والدولة، وليست إعلاناً عن انتمائه القومي أو الإثني. لذلك لا يُطلب من المواطن السويسري أن يكون ألمانياً أو فرنسياً أو إيطالياً رغم وجود هذه القوميات داخل بلده، ولا يُطلب من المواطن البلجيكي أن يتخلى عن هويته الفلمنكية أو الوالونية كي ينتمي إلى الدولة. أما في الحالة السورية، فقد جرى الخلط بين الدولة والجماعة القومية المهيمنة، حتى أصبح الانتماء الوطني مرتبطاً، رمزياً على الأقل، بالهوية العربية.
ومن هنا تكتسب عبارة “عربي سوري” دلالتها السياسية. فالكردي ليس عربياً من حيث الانتماء القومي، لكنه سوري من حيث المواطنة. وعندما تفرض الدولة تعريفاً قومياً داخل المجال الرسمي، فإنها تدفع المواطن غير العربي إلى الاختيار بين هويته القومية وبين الاندماج في هوية رسمية لا تعكس ذاته بالكامل.
المفارقة الأكبر أن المدافعين عن التسمية الحالية يطالبون الكرد بالقبول بصفة “عربي سوري”، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون فكرة أن يُعرَّف العربي السوري مثلاً بأنه “كردي سوري”. هذا يكشف أن المسألة ليست مجرد توصيف جغرافي أو حضاري، بل علاقة قوة سياسية تجعل هوية قومية معينة هي المرجع الرسمي للدولة، فيما تُدفع الهويات الأخرى إلى الهامش.
دستورياً، يفترض أن تكون الدولة إطاراً جامعاً لجميع مواطنيها، لا ممثلاً حصرياً لقومية بعينها. وإذا كانت سوريا تضم العرب والكرد والسريان والآشوريين والتركمان والشركس والأرمن وغيرهم، فإن السؤال لا يتعلق بإنكار العروبة أو التقليل من مكانة العرب، بل بمدى شرعية احتكار تعريف الدولة باسم قومية واحدة بينما تشكل الدولة وطناً لمجتمعات متعددة.
لهذا السبب لا يمكن اختزال النقاش بالقول إن الاسم غير مهم. فالأسماء الدستورية ليست مجرد عناوين. إنها إعلان سياسي عن هوية الدولة وعن الجماعة التي تعتبرها الدولة مرجعيتها الأساسية. وعندما يشعر ملايين المواطنين بأن اسم الدولة لا يعكس وجودهم، فإن المشكلة لا تكون في حساسية هؤلاء المواطنين، بل في طبيعة الصيغة التي اختارتها الدولة لتعريف نفسها.
إن الانتقال من مفهوم “الجمهورية العربية السورية” إلى مفهوم “الجمهورية السورية” لا يعني إلغاء الهوية العربية لسوريا ولا محو تاريخها العربي، بل يعني الفصل بين هوية الدولة وهوية إحدى مكوناتها القومية، مهما كانت هذه المكونة كبيرة ومؤثرة. فالدولة ملك لجميع مواطنيها، بينما تبقى القومية جزءاً من هوية المواطنين لا من شروط المواطنة.
السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: لماذا يعترض الكرد على كلمة “العربية”؟ بل: لماذا يُطلب من الكردي أن يعرّف نفسه رسمياً من خلال قومية لا ينتمي إليها أصلاً؟ وإذا كانت المواطنة السورية كافية للعربي، فلماذا لا تكون كافية للكردي أيضاً؟
ربما تكون هذه هي المعضلة الدستورية التي لم تُحسم بعد: هل سوريا دولة المواطنين السوريين جميعاً، أم أنها ما تزال دولة تُعرّف نفسها من خلال قومية واحدة وتطلب من الآخرين التكيّف مع هذا التعريف؟
وإلى مستقبل أكثر نضجاً وعدالة