أحمد بلال
العمل السياسي والتنظيمي في بنائه يشبه البناء العمراني الذي تعتمد متانته على قوة أساساته. وليس من الضروري أن يكون المرء مهندسًا ليعرف أهمية الأساسات، فالمهندس والعامل البسيط يدركان معًا أن أي بناء لا يمكن أن يقف من دون أساس متين. الفرق أن المهندس يعرف الحسابات الدقيقة وكميات المواد اللازمة وطرق التنفيذ، بينما يدرك العامل من خلال خبرته العملية أن ضعف الأساس يعني حتمًا ضعف البناء كله، مهما بدا جميلًا من الخارج.
وهكذا هو العمل السياسي والتنظيمي؛ فالجميع يدرك أهمية القواعد والأسس التي قام عليها، لكن قلة من الناس تعرف حجم التضحيات والجهود التي بُذلت عبر سنوات طويلة لترسيخ تلك الأساسات التي يقوم عليها البناء اليوم.
وكذلك لا يمكن فصل الأغصان عن الجذور في أي شجرة أو نبات. فالجذور هي التي تثبت الشجرة في الأرض وتمنحها الغذاء والاستمرار، بينما تحمل الأغصان الأوراق والثمار وتمنحها النمو والتجدد. وأي محاولة للفصل بينهما تعني إضعاف الشجرة كلها.
أقول هذا عندما أرى شخصيات سياسية تجاوزت الثمانين من العمر وما زالت تمتلك تأثيرًا في صناعة القرار وتوجيه السياسات. فالعمر وحده لا يلغي قيمة التجربة، كما أن الشباب وحده لا يكفي لصناعة المستقبل.
ما أود قوله هو أن الربط بين الماضي والحاضر يشبه عملية تقليم الشجرة؛ فالتقليم لا يعني قطع العلاقة بين الأغصان والجذور، بل يهدف إلى تجديد الشجرة وزيادة قدرتها على الإثمار. وهكذا فإن تطوير العمل السياسي لا يكون بقطع الصلة مع التجارب السابقة، وإنما بالاستفادة منها وتجديدها بما يتناسب مع متطلبات العصر.
صحيح أن جيل الشباب يمتلك الطاقة والحماس وعلوم العصر والتكنولوجيا، لكنه لا يمتلك بالضرورة الخبرة الحياتية والتنظيمية المتراكمة التي اكتسبها من أمضوا عقودًا في النضال والعمل العام. وفي المقابل، فإن الخبرة وحدها لا تكفي من دون طاقة الشباب وإبداعهم وقدرتهم على مواكبة المتغيرات.
لذلك فإن الشباب والكبار لا يتناقضون، بل يكمل بعضهم بعضًا، وهذا ما يمكن تسميته بـ”تكامل الأجيال”. فكل جيل يحمل ما يميزه، وكل جيل يحتاج إلى الآخر.
وأذكر هنا ما تعلمته من والدي رحمه الله عندما كنا نتناقش في أمور الحزب والتنظيم. فقد قال لي ذات مرة في تسعينيات القرن الماضي: “يا بني، أنت شاب ولديك الكثير من الأحلام والطموحات ومتطلبات الحياة، أما أنا فقد تجاوزت تلك المرحلة العمرية، ولم تعد الحياة تغريني كما تغريك أنت”. لم أفهم عمق هذا الكلام يومها كما أفهمه اليوم.
إن الشعب الكردي يتعرض منذ عقود لمحاولات متعددة تستهدف إضعاف ثقته بنفسه وبحركته السياسية، وتُستخدم في ذلك أساليب مختلفة تهدف إلى خلق فجوة بين الجماهير وقياداتها، وبين الأغصان والجذور. وقد يكون النقد ضروريًا ومطلوبًا، لكن تحويله إلى حالة من القطيعة الكاملة مع التجارب السابقة لا يخدم إلا من يسعون إلى إضعاف المجتمع وتفكيك قواه.
وأخطر ما يمكن أن يحدث هو نشوء جيل فاقد للثقة بكل شيء؛ بقياداته، وبحركته السياسية، وحتى بقدرته على التغيير. وهذا ما ألاحظه لدى كثير من الشباب الذين لم يعودوا يرغبون في الحديث عن الأحزاب أو السياسة أصلًا.
إن تجديد العمل السياسي لا يكون باقتلاع الجذور، كما أن المحافظة على الجذور لا تعني منع الأغصان الجديدة من النمو. فالشجرة القوية هي التي تجمع بين الجذور الراسخة والأغصان المتجددة.
لذلك أتمنى ألا ننسى فضل الجذور، وألا نقلل في الوقت نفسه من أهمية الأغصان الجديدة التي تحمل ثمار المستقبل. فبالتكامل بين الخبرة والحيوية، وبين الماضي والحاضر، تستطيع الشعوب أن تحافظ على وجودها وتبني مستقبلها.