المكانة الدستورية لقوات البيشمركة في النظام الاتحادي العراقي: “دراسة في الأساس القانوني وآليات تعديل الدستور”

أحمد بهاءالدين احمد*

المقدمة :

كثُر في الايام الماضية الحديث عن تجريد او تسليم البيشمركة سلاحهم للحكومة الاتحادية في العراق , أسوةً ببقية الفصائل والمليشيات الغير المنضبطة تحت جناح السلطة الاتحادية , وهذه مغالطة كبيرة وغير قانونية ودستورية .

وفي هذه الدراسة سنوضح لكم الاسس القانونية والدستورية لهذه المشكلة .

أولاً : الأساس الدستوري لقوات البيشمركة

  1. يُعد الدستور العراقي لسنة 2005 الإطار القانوني الأعلى الذي ينظم شكل الدولة العراقية واختصاصات السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم والمحافظات. ومن بين القضايا التي تناولها الدستور مسألة القوات الأمنية والعسكرية في إقليم كوردستان، حيث تُعد قوات البيشمركة جزءًا أساسيًا من المنظومة الأمنية للإقليم وتتمتع بوضع قانوني مستند إلى أحكام الدستور .
  2. نصت المادة (117/أولًا) من الدستور العراقي على الاعتراف بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة بوصفه إقليمًا اتحاديًا. ويترتب على هذا الاعتراف الدستوري الإقرار بالمؤسسات الرسمية للإقليم، ومنها المؤسسات الأمنية والعسكرية .
  3. نصت المادة (121/خامسًا) على أن تختص حكومة الإقليم بكل ما تتطلبه إدارة الإقليم، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم .

ويُقصد بحرس الإقليم قوات البيشمركة التي تتولى حماية أمن الإقليم والدفاع عنه ضمن النظام الاتحادي العراقي .

ثانيًا: البيشمركة ضمن النظام الاتحادي

  1. أكد الدستور في المادة (121) حق الإقليم في إنشاء وتنظيم قواته الأمنية، الأمر الذي يمنح البيشمركة أساسًا دستوريًا واضحًا. وفي الوقت نفسه تبقى هذه القوات جزءًا من المنظومة الأمنية للدولة العراقية الاتحادية وتعمل وفق مبدأ التعاون والتنسيق مع السلطات الاتحادية .
  2. كما تنص المادة (9/أولًا/أ) على أن تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي ويُفهم من ذلك أن جميع التشكيلات الأمنية والعسكرية الرسمية يجب أن تعمل ضمن إطار الدستور والقانون وتحافظ على وحدة العراق ونظامه الاتحادي .

ثالثًا: مهام قوات البيشمركة

استنادًا إلى الدستور والقوانين النافذة، تتمثل أبرز مهام قوات البيشمركة في :

 حماية أمن واستقرار إقليم كوردستان ..1

 الدفاع عن حدود الإقليم ومؤسساته الدستورية ..2

 مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة الخارجة عن القانون ..3

التنسيق مع القوات المسلحة العراقية في مواجهة التهديدات الأمنية المشتركة  ..4

المساهمة في حماية المناطق التي تتطلب تنسيقًا أمنيًا بين الحكومة الاتحادية والإقليم .5

 

رابعاً: تعديل النصوص الدستورية المتعلقة بإقليم كوردستان وقوات البيشمركة [ هل يمكن تعديلها وكيف ؟ ]

 

إن أي تعديل للنصوص الدستورية التي تتعلق بصلاحيات إقليم كوردستان أو مؤسساته، ومنها قوات البيشمركة، لا يتم بصورة عادية أو بقرار من جهة واحدة، بل يخضع للإجراءات المنصوص عليها في الدستور العراقي .

. فقد نصت المادة (126) من الدستور على آلية تعديل الدستور، وأكدت في الفقرة الرابعة منها أنه :

لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية [إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام ] .

وبناءً على ذلك، فإن أي محاولة لتعديل المواد الدستورية التي تمنح إقليم كوردستان صلاحية إنشاء وتنظيم قوات الأمن وحرس الإقليم (البيشمركة) لا يمكن أن تتم إلا بعد :

. موافقة مجلس النواب العراقي على التعديل وفق الإجراءات الدستورية.1

. موافقة برلمان إقليم كوردستان إذا كان التعديل يمس صلاحيات الإقليم.2

. موافقة أغلبية سكان الإقليم عبر استفتاء عام.3

 

وهذا يعني أن الضمانات الدستورية الموضوعة لحماية النظام الاتحادي تمنع تقليص صلاحيات الإقليم أو إلغاء الأساس الدستوري لقوات البيشمركة بصورة أحادية، بل تتطلب موافقة مؤسسات الإقليم وسكانه وفق أحكام الدستور .

 

الخاتمة :

تستند مكانة قوات البيشمركة في العراق إلى أحكام الدستور العراقي لسنة 2005، ولا سيما المادتين (117) و(121)، اللتين اعترفتا بإقليم كوردستان وسلطاته ومنحتا حكومة الإقليم صلاحية إنشاء وتنظيم قوات الأمن وحرس الإقليم. وبذلك تشكل البيشمركة مؤسسة دستورية رسمية تؤدي دورًا مهمًا في حفظ الأمن والاستقرار ضمن إطار الدولة العراقية الاتحادية , وهذا يحسم مسألة الجدل والمغالطات التي حصلت حول هذه المسألة في الآونة الاخيرة , فهي غير قانونية وغير دستورية .

*باحث في مجال العلاقات الدولية والدبلوماسية

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…