إبراهيم اليوسف
تستوقفني- دائماً- الحساسية التي تثيرها كلمة “كردي” أو” كردستان” لدى بعض مدعي الثقافة الذين تسببوا في تعميق الشرخ بين السوريين، نتيجة ما نهلوه من ثقافة البغضاء وإلغاء الآخر. إذ ما إن تتم الإشارة إلى أصل عائلة، أو إلى حي، أو إلى شخصية تاريخية، حتى يبدأ سيل من التعليقات والانفعالات والاتهامات، وتبادل المقال على كروبات: التحريض الواتسابية. وقد تأكد لي ذلك مجدداً بعد المقال الذي كتبته عن مأساة الطبيبة الشهيدة رانيا العباسي وأطفالها الستة وزوجها، رحمهم الله، في إطار مواصلة المساهمة الكتابية مع سواي في فضح آليات جرائم نظام البعث والأسد، كما فعلت وأفعل منذ أول أيام الثورة السورية وحتى الآن. فقد كنت أشرت إلى أنها ابنة حي الكرد الدمشقي، ثم اطلعت بعد ذلك على مقالات وشهادات عديدة تتحدث عن الأصول الكردية للعائلة، بالإضافة إلى معرفتي بأسماء من آل العباسي الكرام طالما أعلنوا اعتزازهم بكرديتهم، قبل أن يصدر موقف- كما نقل إلي- من قبل بعض أفراد عائلتها، ينفي ذلك، وهو من حقهم، لأشير إلى كردية العائلة، على عجل، ومن دون أي انتباه، وتحسب لإثارة حفيظة أحد. إذ ذكرت ذلك ضمن سياق نقاش تاريخي وثقافي، قابل للحوار، والتصويب، والدحض، فإذا بالموضوع يترجم ويفسر لدى عدد من المعلقين إلى حالة استنفار عسكري كاملة.
أحدهم يحمل شهادة أكاديمية عليا، استهل رده عليَ بعبارة نابية بحقي، كما فعل أكثر من مرة، نتيجة عجزه عن مواجهة ما أكتب. وآخر خصني بمنشور سريع يتحدث فيه عن “سرقتي لشهدائه” مدعياً أن قرني لم يهتزا للجريمة، وإن كانت المقارنة بين مدونتينا في تناول الثورة السورية ترد عليه. وثالث طالما كان يرتدي بدلة- مموهة- ممضياً سنوات حياته ممثلاً لخطاب السلطة وأجهزتها ومجموعاتها، ثم وجد في هذه القضية مناسبة جديدة للاتهام والتحريض، في إطار الثأر من شخص يشكل نقيض نشأته وسلوكه. ما يلفت النظر هنا أن القضية لم تعد تتعلق بعائلة كريمة أو بقراءة تاريخية أو بوجهة نظر قابلة للنقاش، وإنما بثقافة متجذرة تنزعج من أي حضور للكرد في السردية السورية، وتتعامل مع أي إشارة إليهم وكأنها اعتداء على أحد.
ثقافة الكراهية تبدأ عادة من نقطة صغيرة ثم تتوسع. تبدأ من رفض اسم، ثم تتحول إلى رفض جماعة بشرية كاملة. تبدأ من الاعتراض على توصيف تاريخي، ثم تتحول إلى محاولة شطب تاريخ كامل، إن لم يقبل تبعيته لمن يرى نفسه: الأصل، الأصل الذي يظهر في المختبر أنه ليس إلا خلطة أقوام، نتيجة طبيعة الحياة. نتيجة اعتبارات أخرى: الدين- السلطة/ القمع. ولهذا أجد أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الاختلاف حول أصل عائلة أو انتماء شخصية، بل في الذهنية التي تعتبر الكردي موضع شبهة بمجرد ذكره، والتي تتعامل مع كل ما يتصل بالكرد بعصبية سابقة على النقاش نفسه.
إذ إنه من حق أي إنسان أن يحدد انتماءه كما يراه. هذا حق طبيعي لا يحتاج إلى منحة من أحد. ومن حق الباحث أو الكاتب أو المؤرخ أن يطرح ما يملكه من قرائن ووثائق وشهادات، لأن النقاش العلمي والثقافي يتأسس من خلال عرض المعلومات ومقارنتها ومناقشتها. أما الشتيمة فلا تنتج معرفة.، كما أن الاتهام لا يمكن أن يحسم قضية تاريخية، ناهيك عن أن الضجيج المفتعل مهما ارتفع، واستقوى بسلطة ما، فإنه لا يحل مكان الوثيقة المتوافرة، لاسيما بخصوص نسب معتنى به!
ما كتبته عن عائلة العباسي استند إلى معطيات معروفة ومتداولة. فالعائلة انتقلت من جزيرة بوطان إلى سيرد. والمنطقتان تنتميان إلى الجغرافيا الكردستانية قبل ظهور الدولة السورية الحديثة بسنوات طويلة. ثم استقرت العائلة في حي الكرد بدمشق، وهو حي ارتبط تاريخياً بموجات الهجرة الكردية إلى العاصمة. كما أن شخصيات من العائلة تحدثت – ولاتزال تتحدث وتتباهى- بانتمائها الكردي بصورة مباشرة، ومنهم من عمل ضمن هذا التنظيم الكردي أو ذاك. لقد كانت ولاتزال الكردية لغة بيتية لدى فروع منها، لم تتأثر بالحواضن الجديدة، للدول التي تتوزع خريطة كردستان هذه الوقائع لا تتحول إلى حقائق نهائية لمجرد ذكرها، كما أنها لا تختفي بسبب غضب صاحب تعليق، أو عبر اعتراض أعمى على منشور على وسائل التواصل.
أجل، إن ملف الأنساب نفسه يحتاج إلى قدر كبير من التروي، فالمنطقة عرفت خلال قرون طويلة تنقلات بشرية واسعة وتحولات سياسية ودينية واجتماعية متلاحقة. كما أن كثيراً من العائلات احتفظت بوثائق مختلفة حول أصولها وأنسابها. وتوجد حالات كثيرة جرى فيها الانتساب إلى آل البيت لأسباب متعددة معروفة لدى الباحثين في التاريخ الاجتماعي. ولهذا أجد أن المسار التاريخي للعائلة عبر الأجيال، وطريقة تعريفها لنفسها، والبيئة التي عاشت فيها، والعلاقات التي نسجتها، تشكل عناصر مهمة في أي قراءة جادة لهذا الملف.
ما يثير الاستغراب أن عدداً من الذين يقدمون أنفسهم اليوم خبراء في الأنساب والتاريخ كانوا حتى سنوات قريبة جزءاً من خطاب آخر تماماً. بعضهم أمضى سنوات طويلة في تسويغ الاستبداد أو الدفاع عنه أو الصمت على جرائمه. وبعضهم انتقل لاحقاً إلى موقع جديد، من دون أن يجري أية مراجعة حقيقية لتاريخه السابق. ثم وجد في مهاجمة الكرد أو التشكيك بتاريخهم أو التحريض عليهم فرصة مناسبة لإعادة تقديم نفسه أمام الجمهور بصورة مختلفة.
هنا أصل إلى النقطة الأساسية. القضية بالنسبة لي لا تتعلق بعائلة العباسي الكريمة، الفاضلة، المقدرة، وحدها. القضية تتعلق بثقافة كاملة. ثقافة تعتبر الاعتراف بالتنوع السوري مشكلة. ثقافة تنزعج من حضور الكرد في التاريخ الوطني. ثقافة تتجاهل أن الكرد كانوا جزءاً من تكوين سوريا الحديث منذ بداياته. ثقافة تتعامل مع أي ذكر للكرد وكأنه إعلان خصومة.
حي الكرد الدمشقي يحتل مكانة معروفة في التاريخ السوري الحديث. هذا الحي هو في حقيقته أكثر وأكبر من مجرد تجمع سكني. فقد خرجت منه شخصيات سياسية وثقافية وعسكرية واجتماعية تركت أثرها في الحياة العامة. وعاشت فيه عائلات كردية لعبت أدواراً مختلفة في مؤسسات الدولة والمجتمع. كما ارتبط اسمه بمرحلة مبكرة من تشكل دمشق الحديثة.
وما إن يجر الحديث عن الدور الوطني للكرد، حتى نر أن الوقائع جد كثيرة ومعروفة، لأن أسماء مثل أبطال الكرد الدمشقيين تحضر فوراً في أي نقاش جاد حول الدفاع عن سوريا، رغم تنصل بعض أبناء وأحفاد هؤلاء من كردية جدودهم، كأنها تهمة، لا كأنها: وسام ذهبي. كما تحضر صفحات أخرى من تاريخ عفرين وحلب والجزيرة ومناطق كردية عديدة واجه أهلها الاحتلالات المتعاقبة وقدّموا ضحايا في سبيل الأرض التي عاشوا عليها.
ولا ننسى-هنا- مرحلة الاستبداد الطويلة التي دفعت أثمانها شرائح واسعة من السوريين، لأن الكرد- كما يعرف حتى أعداء وجودهم- من ضحايا تلك المرحلة أيضاً. حيث الآلاف من الكرد دخلوا السجون والمعتقلات. الآلاف من العائلات عاشت سنوات الانتظار والترقب. صيدنايا وحده شهد أسماء مئات بل آلاف المعتقلين الكرد الذين غيبهم النظام سنوات طويلة. وسجون النظام الأخرى، جميعها، وفروع أمنه المجرم امتلأت بمعتقلين كرد كما امتلأت بمعتقلين عرب وسريان وآشوريين ومن اتجاهات سياسية متعددة. ولهذا تبدو محاولات تقديم الكرد وكأنهم جماعة جاءت من خارج التاريخ السوري محاولة تفتقر إلى الحد الأدنى من الإنصاف.
ولا بد لنا جميعاً، ألا ننكر حقيقة أن سوريا التي نعرفها لم يصنعها طرف واحد. تاريخها شارك في صنعه السوريون بمختلف انتماءاتهم. وحين نتحدث عن الشهداء فإننا نتحدث عن أبناء وطن واحد سقطوا في ظروف مختلفة ومن أجل قضايا مختلفة. لذلك أجد الحديث عن “سرقة الشهداء” حديثاً غريباً من أساسه. فالشهداء ليسوا” ملكية خاصة” لأحد، لاسيما من قبل: الثوار الجدد الذين لا يفتؤون يشنفون آذاننا بقولهم “ثورتنا”، كما أن الضحايا لا يتحولون البتة إلى حصص وأسهم وتركات- موروثة- توزع بين الجماعات والأحزاب والتيارات، ناهيك عن سجل الشهداء الكرد عبر التاريخ، قبل و بعد دخولهم الإسلام: مرحلة مرحلة مروراً بزمن” تحرير القدس” إلى اليوم، لايحتاج إلى أي” سطو” استقوائي، يسد عقدة نقص لديهم
ولمن لا يعرفني كشخص- فإنني أرحب دائماً بالنقاش والاعتراض والاختلاف. إن القيمة العظمى للكتابة تكمن في الحوار حولها. أما لغة الشتيمة والتحريض والتخوين فتقود إلى مزيد من الانغلاق. ومن هنا، فأنا أرى أن المعركة الحقيقية تتعلق بمواجهة ثقافة الكراهية أينما وجدت. تلك الثقافة النتنة التي تبحث دائماً عن خصم جديد، وتحتاج دائماً إلى عدو جديد، وتعيش على إثارة الشكوك والعداوات. أما الوقائع فتبقى وقائع، والتاريخ يبقى تاريخاً، والكرد سيبقون جزءاً أصيلاً من الحكاية السورية- وإن كانت لهم خريطتهم وكردستانهم- مهما ارتفعت الأصوات التي تنفر وتهيل التراب على ذاتها من مجرد ذكر كلمتي: كرد- كردستان!