سرُّ مماطلة النظام الإيراني في المفاوضات الجارية؟!

نظام مير محمدي *

 

فترة طويلة نسبياً مضت على المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والنظام الإيراني بشأن التوصل إلى اتفاق شامل يحسم معظم المشاكل والملفات العالقة بين الطرفين، ولكن مع ذلك لا يزال طابع من الضبابية والغموض يطغى عليها، ولا تزال النتيجة الحاسمة تبدو بعيدة المنال.

ومن خلال متابعة التقارير المختلفة الواردة عن جولات التفاوض وما تم استشفافه واستخلاصه منها، يبدو واضحاً بأن النظام الإيراني هو العائق الحقيقي، وأن مشكلة عدم التوصل إلى اتفاق شامل وحاسم تكمن فيه على وجه التحديد؛ إذ وكما يبدو جلياً وبحسب معظم التقارير الإخبارية والتحليلات السياسية، يحرص هذا النظام على المماطلة والتسويف ويتحجج بأعذار مختلفة. والأهم من ذلك، أنه يركز بصورة ملفتة للنظر على أمور ومسائل ثانوية أو مستجدة طرأت في سياق الأحداث والتطورات أثناء الحرب الأخيرة، نظير إغلاقه المتعمد لمضيق هرمز.

وهذه ليست المرة الأولى التي يبادر فيها النظام الإيراني إلى اتباع طريقة وأسلوب المماطلة والتسويف، والسعي للتركيز على مسائل ثانوية في المفاوضات واستبعاد النقاط الجوهرية؛ ولا ريب في أنه يفعل ذلك عن قصد وتعمّد، لأنه في الأساس مصمم على عدم التفريط ببرنامجه النووي وبرامجه الصاروخية ومشروع تدخلاته التوسعية في المنطقة، وهذا ما تأكد على الدوام ولا تزال معظم المؤشرات تدل عليه.

وبقدر ما يسعى المجتمع الدولي عموماً، والولايات المتحدة والبلدان الغربية خصوصاً، لممارسة أكبر قدر من الضغط من أجل دفع النظام الإيراني للرضوخ والقبول بالمطالب الدولية الأساسية المطروحة على طاولة التفاوض، فإنه يحاول بطريقة وأخرى المراوغة والمناورة وإطالة أمد المفاوضات بقدر ما يتمكن، مع ملاحظة أنه لا يريد أو يرغب في إنهاء المفاوضات، وإنما يستهدف استمرارها دون السماح بحسمها.

 

نظام الملالي لن يتخلى عن مشروعه النووي

إن تمسُّك النظام الإيراني ببرنامجه النووي، ولاسيما من حيث سعيه الحثيث لإنتاج القنبلة النووية، وكذلك تمسكه ببرامجه الصاروخية وبتدخلاته في بلدان المنطقة، يعود في الحقيقة إلى تخوفه الكبير من المحاسبة الشعبية فيما لو تخلى عنها؛ فهو يعلم جيداً بأن الشعب الذي يعاني منذ 47 عاماً من أوضاع اقتصادية ومعيشية طاحنة، ومن عزلة دولية ومئات المشاكل والأزمات، يدرك أن سبب كل هذه المعاناة هو سياسات النظام المرتكزة على البرنامج النووي والصواريخ البالستية وتصدير الأزمات. كما يعلم النظام أيضاً بأن تخليه عن هذه المرتكزات يعني جعله مكشوفاً تماماً أمام الشعب، وسقوط أي مبرر لوجوده، وبالتالي جعله يدفع الثمن باهظاً عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبلاد جراء تلك السياسات.

والحقيقة الأمرّ من ذلك والتي يعيها النظام جيداً، هي علمه بأن هناك المقاومة الإيرانية التي طالما تربصت به وتابعته وكشفت عن كذبه وخداعه، وسعيه الممنهج لتضليل الشعب والمجتمع الدولي على حد سواء من أجل استمرار حكمه. وهذه المقاومة أكدت على الدوام بأن نهاية النظام تكمن في تخليه عن مرتكزاته المذكورة، وهو إنما يقوم بالمماطلة والتسويف من أجل كسب الوقت وإيجاد مخرج للمحافظة عليها. وفي الوقت الذي أكدت فيه المقاومة الإيرانية أيضاً بأن تجاوب المجتمع الدولي معه والدخول في مفاوضات لا يمكن أن تحسم الموضوع أساساً يُعد خطأً كبيراً يجب تصحيحه بترك طاولة التفاوض واللجوء إلى “الخيار الثالث” الذي طالما تم التأكيد عليه بدعم نضال الشعب والمقاومة الإيرانية من أجل الحرية وإسقاط النظام؛

وكما أكدت المقاومة الإيرانية مراراً وتكراراً، وشددت عليه السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية للمرحلة الانتقالية، في جلّ خطاباتها طوال الأعوام العشرين الماضية، فإن هذا النظام المستبد لن يتخلى أبداً عن برنامجه النووي؛ لأنه نظام لا يفهم سوى لغة القوة، ولو لم تتبع القوى الدولية سياسة المماشاة والمهادنة معه، لما وصلت الأزمة الحالية إلى هذا المنعطف الحاد والمستعصي على الحل. وهي ذات الحقائق والمبادئ التي سيصدح بها المتظاهرون الإيرانيون من أنصار منظمة مجاهدي خلق والمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذين سيحتشدون في تظاهرة هائلة يوم السبت الموافق 20 حزيران (يونيو) المقبل في العاصمة الفرنسية باريس، ليرفعوا أصواتهم مدوية بشعارات تختصر البديل التاريخي:

  • لا لإيران النووية
  • لا لإيران الصانعة للأزمات
  • لا لإيران صاحبة الرقم القياسي في الإعدامات
  • نعم للجمهورية الديمقراطية
  • نعم لإيران المحبة للسلام
  • نعم لمشروع المواد العشر الصادر عن السيدة مريم رجوي

وبدون هذا الحسم والتوجه نحو إرادة الشعب الإيراني، سوف يظل حال المفاوضين الدوليين مع النظام الإيراني كحال “سيزيف” في أسطورته الشهيرة، وهو يدفع الصخرة إلى قمة الجبل دون أي نتيجة تذكر.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسين امين بعد أكثر من قرن على اتفاقية سايكس–بيكو، ما زال الشعب الكردي يواجه تداعيات سياسات حرمته من حقه في تقرير مصيره وإدارة شؤونه ضمن إطار ديمقراطي عادل. ورغم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، لا تزال القضية الكردية تبحث عن حل سياسي شامل يضمن الحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكردي. وفي هذا السياق، تثير مواقف المبعوث الأمريكي توم باراك قلقًا…

عبداللطيف محمد أمين موسى إن العقيدة النضالية التي تأسست عليها قوات البيشمركة تُجسد حقيقة جوهرية، وهي الولادة من رحم المعاناة والظلم والقهر، وكافة محاولات إضعاف الانتماء القومي الكوردستاني ومحو الهوية الوطنية التي مارستها الأنظمة المتعاقبة على احتلال كوردستان. كما أنها تشكلت نتيجة الظروف والتحديات السياسية الجيوستراتيجية والتعقيدات والمخاطر الأمنية التي مرّت بها المنطقة نتيجة انهيار الإمبراطورية العثمانية وتقاسم تَرِكتها إلى…

أحمد بلال أن ما يرد في المقال هو رأي وتحليل شخصي. عندما قرأت هذه العبارة على شاشة التلفزيون اليوم، تذكرت فورًا مثلًا شعبيًا متداولًا لدينا نحن أبناء عفرين. يُقال إن طبّالين تشاجرا، فرمى أحدهما الآخر بحجر، ثم صاح به مباشرة: “اخفض رأسك، لقد رميتك بحجر!”. وعلى حد علمي، لم يُذكر في منطقتنا أن طبّالًا قتل طبّالًا آخر، رغم وجود…

عبد الرحمن كلو في السابع من حزيران 2015، وقَف الكورد في تركيا أمام عَتبةٍ فاصلة في تاريخهم السياسي الحديث. حَصل حزب الشعوب الديمقراطية (HDP) بقيادة صلاح الدين دمرتاش على أكثر من ثلاثة عشر بالمئة من الأصوات، متجاوزًا عتبة العشرة بالمئة بفارقٍ مريح، ومُحقِّقًا إنجازًا غير مسبوق منذ تأسيس الجمهورية التركية: دخول حزب كوردي البرلمان بقائمته الخاصّة لا عبر مرشّحين مستقلّين….