حسين امين
بعد أكثر من قرن على اتفاقية سايكس–بيكو، ما زال الشعب الكردي يواجه تداعيات سياسات حرمته من حقه في تقرير مصيره وإدارة شؤونه ضمن إطار ديمقراطي عادل. ورغم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، لا تزال القضية الكردية تبحث عن حل سياسي شامل يضمن الحقوق القومية والسياسية والثقافية للشعب الكردي.
وفي هذا السياق، تثير مواقف المبعوث الأمريكي توم باراك قلقًا لدى قطاعات من الرأي العام الكردي، إذ يُنظر إلى دعواته لدمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية المركزية على أنها تجاهل للتضحيات التي قدمها الكرد وشركاؤهم في مواجهة الإرهاب، وتقليل لأهمية التجربة الديمقراطية التي نشأت في شمال وشرق سوريا روج افا .
ومن وجهة نظر كثير من الكرد، فإن التركيز على الاندماج ضمن سلطة مركزية من دون ضمانات دستورية واضحة، ومن دون اعتراف صريح بالحقوق السياسية والقومية للشعب الكردي، قد يؤدي إلى إضعاف المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية. كما أن استبعاد خيار الفيدرالية لا ينسجم مع واقع سوريا كدولة متعددة القوميات والثقافات، ولا مع تطلعات شريحة واسعة من الكرد الذين يرون في الفيدرالية إطارًا ديمقراطيًا للعيش المشترك والشراكة الحقيقية.
ويزداد القلق مع تداول أفكار ومقترحات تتعلق بدمج قوات البيشمركة بشكل كامل ضمن المؤسسة العسكرية المركزية العراقية، على غرار ما يُطرح بشأن دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات السلطة في دمشق. ومن منظور الكثير من الكرد، فإن هذه الطروحات تتجاوز البعد العسكري لتلامس جوهر التوازنات السياسية والدستورية التي نشأت بعد عقود من الصراع والتضحيات.
فالبيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل مؤسسة وطنية كردستانية ارتبطت بتاريخ طويل من الدفاع عن شعب كردستان وعن التجربة الفيدرالية في العراق. كما ساهمت في النضال ضد النظام الدكتاتوري السابق وقدمت آلاف الشهداء في مواجهة الاستبداد والإرهاب، إلى جانب مختلف مكونات الشعب العراقي.
ولهذا يرى كثيرون أن أي محاولة لإضعاف خصوصية البيشمركة أو تجريد إقليم كردستان من ضماناته الدستورية والأمنية قد تُفهم على أنها خطوة نحو إعادة تركيز السلطة بيد المركز، وهو ما يثير مخاوف من تآكل الأسس التي قام عليها العراق الجديد بعد عام 2003.
إن الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة وقدمت آلاف الشهداء من الكرد والعرب والتركمان والآشوريين وسائر مكونات العراق وسوريا من أجل التخلص من الاستبداد لا يمكنها أن تنظر باطمئنان إلى سياسات قد تفضي إلى إعادة إنتاج أنماط الحكم المركزي التي ارتبطت تاريخيًا بالإقصاء والتهميش. فالمطلوب ليس العودة إلى نماذج الماضي، بل بناء أنظمة ديمقراطية قائمة على الشراكة والتوازن واحترام التنوع القومي والثقافي.
أما في العراق، فإن أي مساس بالنظام الفيدرالي الذي أقره الدستور العراقي يُنظر إليه باعتباره تهديدًا لأحد أهم منجزات العملية السياسية بعد عام 2003. فالفيدرالية ليست منحة مؤقتة، بل استحقاق دستوري وقانوني يمثل أساس العلاقة بين إقليم كردستان والدولة العراقية، وضمانة للتوازن والشراكة بين مكونات البلاد.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن تجاهل الحقوق القومية للشعب الكردي أو السعي إلى صهره ضمن مشاريع مركزية لم يؤدِّ إلى الاستقرار، بل إلى استمرار الأزمات والصراعات والانتفاضات. لذلك فإن أي مشروع سياسي يتجاوز الإرادة الحرة للشعب الكردي وحقه في إدارة شؤونه ضمن إطار ديمقراطي عادل لن يحقق سلامًا دائمًا في المنطقة.
ومن هنا، أدعو النخب الثقافية والقانونية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني إلى:
أولًا: إطلاق حوار قانوني وسياسي دولي واسع حول الآثار التاريخية لاتفاقية سايكس–بيكو على القضية الكردية، ومناقشة حق الشعب الكردي في تقرير مصيره وفق مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
ثانيًا: تنظيم مؤتمرات وندوات وفعاليات سلمية واحتجاجات قانونية في مختلف دول العالم للتعريف بالقضية الكردية والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الكردي.
ثالثًا: مخاطبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة للتأكيد على أن الاستقرار الحقيقي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة إنتاج المركزية أو الأنظمة الاستبدادية، بل من خلال الاعتراف بحقوق الشعوب وترسيخ مبادئ الديمقراطية والتعددية والشراكة.
إن القضية الكردية ليست قضية تخص الشعب الكردي وحده، بل هي قضية عدالة وحقوق وشراكة سياسية. وأرى أن الفيدرالية، في العراق وسوريا، تمثل في المرحلة الراهنة أحد أكثر الحلول واقعية وعدالة، باعتبارها تضمن وحدة الدول واستقرارها من جهة، وتحفظ الحقوق القومية والسياسية لمختلف المكونات من جهة أخرى.
فلا سلام دائم، ولا استقرار حقيقي، ولا شراكة متوازنة في المنطقة، من دون معالجة عادلة وشاملة للقضية الكردية، والاعتراف بحقوق الشعب الكردي ضمن أطر ديمقراطية ودستورية تضمن الحرية والكرامة والمساواة لجميع الشعوب.