من دمرتاش إلى ( بَخـﭼلي – أوجَلان ) والاندماج الديمقراطي.. تَشريح صفقةٍ ضدّ الكورد — قراءة بعد عشر سنوات على 7 حزيران 2015

عبد الرحمن كلو

في السابع من حزيران 2015، وقَف الكورد في تركيا أمام عَتبةٍ فاصلة في تاريخهم السياسي الحديث. حَصل حزب الشعوب الديمقراطية (HDP) بقيادة صلاح الدين دمرتاش على أكثر من ثلاثة عشر بالمئة من الأصوات، متجاوزًا عتبة العشرة بالمئة بفارقٍ مريح، ومُحقِّقًا إنجازًا غير مسبوق منذ تأسيس الجمهورية التركية: دخول حزب كوردي البرلمان بقائمته الخاصّة لا عبر مرشّحين مستقلّين[1]. كان ذلك يَومًا تاريخيًا، فُتحت فيه نافذةٌ نادرة لإمكانية انتقال القضية الكوردية في شمال كوردستان من الحالة الأمنية إلى الحالة السياسية، ومن المسار العسكري إلى المسار البرلماني الديمقراطي.

وقد عَوَّل كثيرون من المراقبين السياسيين حينها على أن يَقوم HDP، ومن موقع القوّة، بتحالفٍ براغماتي مع حزب العدالة والتنمية (AKP)، الذي خَرج مهزومًا فاقدًا الأغلبية البرلمانية، لتَشكيل حكومة شراكة تَخدم القضية الكوردية في مفترق طريق تاريخي. لكنّ شيئًا من ذلك لم يَحدث. تَسارعت الأحداث بصورة لا تَحتمل التَّفسير البريء: رفضٌ مسبق من جانب HDP للشراكة مع AKP حتى قبل إعلان النتائج، استغلالٌ دقيق لذلك الرفض من قِبَل دعاة الحرب ومَنظومة الدولة العميقة في تركيا، إعلاناتٌ متَتالية لِما سُمِّيَ بـ«الإدارة الذاتية» في المدن الكوردية، اندلاع حرب حضرية مُدمِّرة، وانتخابات إعادة في الأوّل من تشرين الثاني 2015 خَسر فيها HDP نحو مليون ونصف صوت في غضون أربعة أشهر فقط[2].

كَتبتُ في حينها — في أعقاب انتخابات الإعادة مباشرةً — مقالةً تَنتقد قيادة HDP لِرَفضها فرصةَ الشراكة، وتَطالبها بالتَّحرّر من إملاءات قنديل، ومراجعة سياساتها قبل فوات الأوان. كانت قراءةً مُحقَّة في حدود ما كان يَبدو حينها. لكنّ مرور عَشر سنوات كاملة، وما تَكشَّف فيها من وقائع، يُلزمنا اليوم بقراءةٍ أعمق: لم تَكن المسألة خطأً تكتيكيًا من HDP قابلًا للإصلاح، ولا إخفاقًا قياديًا يَستحقّ النقد الإصلاحي وحده. كانت صفقةً كبرى بَدأت ملامحها الأولية في 2015، وكَشفت السنوات العشر الفائتة معالمها بصورةٍ لا تُخطئها العين.

أولًا: ما كانت تَعنيه لحظة 7 حزيران 2015

لِفهم حجم اللحظة التاريخية الضائعة، يَنبغي استحضار سياقها. عتبة العشرة بالمئة في القانون الانتخابي التركي لم تَكن قانونًا فنيًا إجرائيًا ، بل كانت سَدًّا تاريخيًا وُضع تَحديدًا لِمنع دخول الكورد البرلمان بصفتهم الجمعية كمجتمع أو كشعب . ومنذ تأسيس الجمهورية عام 1923، حِيلَ بين الكورد وبين أن يُمثّلوا أنفسهم بحزبهم، فلم يَكن أمامهم سوى مرشّحين مستقلّين يَخوضون السباق بصفتهم الفردية ثم يَنضمّون لِكتل برلمانية أخرى.

تَجاوُز هذا السدّ في 7 حزيران 2015 كان يَعني أمرين كبيرَين معًا: الأوّل أن جيلًا كاملًا من الناخبين الكورد — ومعهم شريحة واسعة من اليسار والديمقراطيين الأتراك — قَرَّر التَّعبير عن نفسه عبر الصندوق لا عبر الجبل. والثاني أن المسألة الكوردية أَصبحت لأوّل مرّة قابلةً للنقاش داخل المؤسّسة البرلمانية التركية بدلًا من تَناولها أمنيًا في مكاتب الجنرالات. هذا تَحوُّلٌ هائل، لو سُمِح له أن يَنضج لِبَعض الوقت، لَكان قَلب موازين ربع قرن من السياسة التركية تجاه الكورد.

ولِأوّل مرّةٍ منذ عقود، بَدا أن هناك شريكًا كورديًا في المعادلة البرلمانية: حزبًا حصل على 80 مقعدًا، يَملك حقّ المساومة، يَفرض حضوره على أيّ تَشكيل حكومي، ويَستطيع أن يَجعل من ملفّ الحقوق الكوردية شرطًا لانخراطه في الحكم. كانت لحظة كَفَّيها مفتوحتَين أمام الكورد على فرصةٍ نادرة — تَكاد تَكون عَرضًا تاريخيًا تُقدِّمه الديمقراطية التركية المُتَعرِّجة في لحظة ضعفها.

ثانيًا: الرفض الذي لم يَكن قرارًا حُرًّا

ما الذي حَصل بدلًا من ذلك؟ رَفضٌ كامل للشراكة مع AKP أُعلن قبل إعلان النتائج النهائية. صَرَّح دمرتاش حينها وقياداته بأن HDP لن يَدخل في تَحالف حكومي مع أردوغان «تحت أيّ ظرف». والصيغة الخطابية المُعتَمَدة كانت: «إسقاط النظام التركي القائم» لا الشراكة في إصلاحه.

هنا كَان الفخّ، وأَدركتُه حينها وكَتبتُ عنه، لكنّي اليوم أَفهم أبعاده بصورة لم تَكن واضحة قبل عَشر سنوات. مَن كان يُملي على HDP موقفه الرافض؟ الإجابة الجزئية كانت مَعروفة: قيادات جبال قنديل، أيْ قيادات حزب العمّال الكوردستاني (PKK). والإجابة الكاملة لم تَتكشَّف إلّا بعد سنوات: القيادات في قنديل نفسها كانت تَتلقّى إشاراتٍ من خَلفها، من المنظومة العميقة التي بَنت PKK تاريخيًا، واستَعملته أداةً لإدارة الملفّ الكوردي بالطريقة التي تَخدم استمرار النَّسق القومي التركي.

ولم يَكن بمقدور الشارع الكوردي العادي أن يَستوعب حينها هذا التَّداخل المعقَّد. فالكورد بشكل عام كانوا قد صَوَّتوا لِدمرتاش بدافع أملٍ حقيقي في حلٍّ سياسي. وأَصبح الحزب الذي صَوَّتوا له رهينةً بين شرعيّتهم الانتخابية وإملاءات قنديل التي لم يَكن يَملك تَجاوزها. وحين رَفض الانخراط مع AKP، لم يَكن ذلك قراره الحُرّ، بل قرار مَن أَوكل إلى نفسه تَولّي الملفّ الكوردي حصريًا منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ثالثًا: الانتقام البنيوي — حرب المدن الكوردية

ما تَلا 7 حزيران كان أَخطر من خَسارة فرصة. كان تَدميرًا منهجيًا للحاضنة الاجتماعية والسياسية للقضية الكوردية في تركيا. ابتداءً من آب 2015، أُعلِنت في عشرات البلدات والمدن الكوردية ما سُمِّيَت «الإدارة الذاتية»، بقرارات تَخرج من خارج البنية الحزبية الديمقراطية لِـ HDP، وتَنفيذًا لِما عُرف بـ«حرب المدن» التي كان قياديو قنديل قد بَدؤوا تَخطيطها أشهرًا قبل الانتخابات[3].

نصيبين، سور (الحيّ التاريخي في آمد/دياربكر)، شرناخ، جزرة، سلوبي، إدِل، يوكسكوفا، فارتو — أَسماءٌ تَكاد لا تَخلو من ذاكرة العائلة الكوردية اليوم. أُعلنت فيها «الإدارة الذاتية»، وتَواجد فيها مسلَّحون من تنظيمات شبابية تابعة للـ PKK، وحُفِرت الخنادق في الشوارع. وكان ذلك بمثابة الدعوة الرسمية إلى الجيش التركي ليَتدخّل بأقصى ما يَستطيع. وقد فَعل.

استَعملت القوّات التركية المدفعية الثقيلة والآليات العسكرية الثقيلة داخل العمران الحضري الكوردي. تَدمَّرت أحياءٌ تاريخية كاملة في سور دياربكر — أحياء تَعود إلى مئات السنين. هُجِّر بحسب الأمم المتحدة ما يَتراوح بين 355,000 إلى 500,000 شخص[4]. تَدفّق الكورد من قراهم ومدنهم نحو إسطنبول وأنقرة وإزمير ومدن الغرب التركي الكبرى هربًا من جحيم الحرب، ليَعيشوا فيها لاحقًا بوصفهم نازحين داخليين بِلا ذاكرة سياسية ثابتة، وبِلا حاضنة محلّية تَجمعهم.

هل كان ذلك خطأ تكتيكيًا من قياديي قنديل؟ هل اعتَقدوا فعلًا أن دفاعَ الأحياء الكوردية بالخنادق يُمكنه أن يَصمد أمام الجيش التركي الثاني الأكبر في الناتو؟ بعد عَشر سنوات، صار من العصيّ تَصديق هذه الرواية الساذجة . ما حَدث كان نتيجة مَنطقية لِخَلق ذريعة استئصال الحاضنة المدنية الكوردية: تَدمير المدن، تَهجير السكّان، تَفكيك النسيج المحلّي، وبالتالي تَفكيك الأساس الاجتماعي للتَّمثيل البرلماني الذي حَصده دمرتاش في 7 حزيران.

رابعًا: اعتقال دمرتاش — تَفكيك القيادة المعتدلة

في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، أيْ بعد نحو سنة وخمسة أشهر فقط من 7 حزيران، اعتُقل صلاح الدين دمرتاش ومعه فيغن يوكسكداغ ونوّاب آخرون من HDP بتهم الإرهاب[5]. ومنذ ذلك التاريخ — أيْ منذ ما يَزيد عن تسع سنوات حين تَكتب هذه السطور في 2026 — لا يَزال دمرتاش في سجن إديرنه، رغم أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان المتَكرّرة بضرورة الإفراج عنه. ثم في 2021، رَفعت النيابة العامّة دعوى لِحلّ HDP وحَظر 451 من قياداته من العمل السياسي[6]، ليَتأسّس لاحقًا حزبُ DEM Party بوصفه الخَلَف العملي.

ولا يُمكن تَفسير الإصرار التركي على إبقاء دمرتاش معتقلًا طوال هذه السنوات إلّا بِكونه يُمثّل النموذج الكوردي الذي تَخشاه الدولة العميقة أكثر من أيّ نموذج آخر: قائدٌ منتخَب شعبيًا، مثقَّف، يَتحدّث التركية والكوردية، يَستطيع التَّواصل مع اليسار التركي والديمقراطيين الأتراك، يَطرح خطابًا مدنيًا، ولا يَحمل سلاحًا. هذا النَّموذج إن نَجح، يَنسف منطق ربع قرن من تَأطير المسألة الكوردية بوصفها مَلَفًّا أمنيًا تُديره أجهزة الاستخبارات. ولذلك كان لا بدّ من تَحطيمه.

اللافت أن دمرتاش — رغم التَّضييق عليه عسكريًا وسياسيًا وقضائيًا — لم تُسَوَّق له أيّ صفقة مَخرج. لم يَعرض عليه أحدٌ الإفراج المشروط، ولا الإقامة الجبرية، ولا النفي خارج البلاد. كان قَدره أن يَبقى في الزنزانة، شَاهدًا حيًّا على ما كان يُمكن أن يَكون لو سُمح له بِالعمل.

خامسًا: الانتقال إلى الساحة السورية — تَوسيع المشروع

بَين تَدمير المدن الكوردية في تركيا (2015–2016) واعتقال دمرتاش (2016)، كانت الأرضية تُمَهَّد لِنَقلٍ استراتيجي للملفّ الكوردي. انتقَل ثِقَل الـ PKK تَدريجيًا إلى الساحة السورية، بحُجّة محاربة داعش، وبِرعاية أمريكية محدودة الوظيفة (وفق ما فَصَّلتُ في موضع آخر من أعمالي)[7]. لم يَكن هذا الانتقال سياسيًا برّيئًا، بل كان امتدادًا لذات المنطق: إدارة الملفّ الكوردي حصريًا، خارج حدود الانتخابات البرلمانية والديمقراطية، تحت سَقفٍ عسكري يُمكن التَّفاوض عليه مع القوى الكبرى دون الإشارة إلى الحقوق السياسية.

والمراقب اليوم يَستطيع أن يَستوعب لماذا اتَّجه الـ PKK نحو سوريا بصورة محمومة بعد 2015. هناك في الجغرافيا السورية، ضمن فضاء «اللادولة» الذي خَلقَته الحرب الأهلية، كان يُمكن لِلتنظيم أن يَستعيد حضوره العسكري بعيدًا عن متاهات السياسة البرلمانية التركية التي خَسرها مَع دمرتاش. وحَصل ذلك فعلًا بِما عُرف بقوّات حماية الشعب (YPG) ثم قوّات سوريا الديمقراطية (قسد) لاحقًا، التي وَجدت لها وظيفةً وَلائية عند الإطار الأمريكي مع رفض كامل لأيّ تَعهّدات سياسية تجاه الكورد.

والنتيجة بعد عقدٍ من الزمن: لا حقوق كوردية سياسية في تركيا، ولا في سوريا الجديدة بعد سقوط الأسد. كلّ ما حَصل عليه الكورد كان وظيفةً مؤقّتة في معركة ضدّ تنظيم متطرّف. ثم انتَهت الوظيفة — وانتَهى معها كلّ شيء.

سادسًا: 2024–2025، الصفقة تَكشف وجهَها

ثم جاءت اللحظة التي كَشفت كلّ ما كان مَكتومًا. في 22 تشرين الأوّل/أكتوبر 2024، حَدث في البرلمان التركي مشهدٌ غير مسبوق رمزيًا: دولت بخجلي، زعيم حزب الحركة القومية، الفاشي القومي المُتشدّد، الذي ظَلّ يَطعن في وجود الكورد ذاته (ويُنكر اسم آمد، ويَتحدّث عن «أبناء جلدتنا» في كركوك)، صافَح علنًا نوّاب حزب DEM Party في قاعة البرلمان. ثم اقترَح بصراحة الإفراج عن عبد الله أوجلان من سجن إيمرالي مقابل حلّ الـ PKK[8].

ثم تَتالت الأحداث بسرعةٍ مَدروسة: في 23 تشرين الأوّل، زار ابنُ أخ أوجلان (عمر) عمَّه في السجن لِأوّل مرّة منذ 43 شهرًا. تَلَتها أربع زيارات لِوفد DEM Party. في 27 شباط/فبراير 2025، صَدرت رسالة أوجلان «نداء إلى السلام والمجتمع الديمقراطي»، يَدعو فيها التنظيمَ إلى حلّ نفسه[9]. في 5–7 أيار/مايو 2025، عُقد المؤتمر الثاني عشر للحزب في جبال قنديل. في 12 أيار، أُعلن حلّ الـ PKK رسميًا بعد 41 سنة من تأسيسه. في 11 تموز/يوليو 2025، جَرت مراسم رمزية لِحرق السلاح في شمال السليمانية[10].

والسؤال الذي يَطرحه أيّ مُحلِّل عاقل: ماذا حَصل الكورد في المقابل؟ ما الذي وَردَ في رسالة أوجلان من ضمانات؟ ما الذي تَعهَّد به الجانب التركي مقابل هذا الحلّ التاريخي؟

الإجابة الموثَّقة، التي يَقولها المُحلِّلون اليوم بصراحة، أن **«الاندماج الديمقراطي» — كما يُسمَّى رسميًا — لم يَتضمَّن أيّ التزام تركي دستوري بالاعتراف بالشعب الكوردي، ولا باللغة الكوردية التي لا تَزال تُصنَّف «لغة مجهولة» في البرلمان التركي، ولا بحقّ التَّعليم باللغة الأمّ، ولا بإطار فيدرالي يَستوعب الخصوصية. كلّ ما حَصل عليه الكورد كان لجنة برلمانية بـ 100 عضو لِمُتابعة «الاندماج». اندماجٌ لا اعتراف. خضوع لا شراكة[11].

والعنوان الذي اختاره المُحلِّلون لِما حَصل دالٌّ على المعنى. كَتبت الجزيرة سنتر في 18 حزيران 2025: «حلّ الـ PKK: تَقوية تركيا داخليًا وخارجيًا». وكَتب معهد الخدمات الملكية البريطاني RUSI في 3 حزيران 2025: «بعد PKK: تَحدّيات بناء السلام في تركيا وسوريا». النَّفع الاستراتيجي للصفقة كان لِأنقرة، لا لِكوردستان. والكلمتان «تَقوية تركيا» و«بناء السلام» معًا تَكشفان جوهر ما حَصل: تَفكيك التنظيم الذي خَدم الدولة العميقة طوال عقود بِذاتِ المنطق الذي خَدمها فيه — تَفريغ الملفّ الكوردي من مَضمونه السياسي.

سابعًا: قراءة 7 حزيران 2015 من موقع 2026

بعد كلّ هذا، يُمكن أن نَقرأ ما حَدث في 7 حزيران 2015 وما بَعده قراءةً جديدة:

في 7 حزيران 2015: قَدَّم الكورد للسياسة التركية فرصةً تاريخية — أن تَنتقل القضية الكوردية من السلاح إلى الصندوق. تَجاوبَ معها مَلايين الناخبين الكورد والأتراك، وأنتَجوا 80 مقعدًا برلمانيًا قابلًا لِأن يَكون نقطةَ الانطلاق.

فُفُرضت إملاءاتُ قنديل: الرفض المسبق للشراكة مع AKP. ولم يَكن ذلك القرار مَأخوذًا من موقع القوّة الكوردية بل من موقع الإملاء على HDP بِما يَخدم استمرار المسار العسكري الذي ظَلّ المنظومةَ العميقة في تركيا تُدير الملفّ الكوردي به.

فأَفضى ذلك إلى الحرب الحضرية: نصيبين، سور، شرناخ، جزرة. تَدمير المدن وتَهجير مئات الآلاف. تَفكيك الحاضنة الاجتماعية للحلّ السياسي الذي كان HDP يُمثّله.

ثم اعتقال دمرتاش: تَحطيم النَّموذج المدني المُنتخَب. خَلق فراغ قيادي كان لا بدّ من ملئه بقيادات لا تَملك من شَرعية الانتخاب ما يَملكه دمرتاش.

ثم انتقال PKK إلى سوريا: تَوسيع المسار العسكري حيث الفضاء المُتاح. استمرار منطق «إدارة الملفّ الكوردي حصريًا» في ساحةٍ جديدة.

ثم اتفاق 2024–2025: تَصفية التنظيم نفسه بعد أن أَدّى وظيفته. «اندماج ديمقراطي» يُسمّى انتصارًا، لكنه في الواقع تَصفية لِكلّ ما يُمكن المساومة به بدون مقابل سياسي.

والقراءة بعد عشر سنوات تَكشف أن الحلقات كلّها كانت متماسكة في نَسق واحد. لم تَكن مصادفاتٍ ولا أخطاءً تكتيكية. كانت استراتيجية مَدروسة للدولة العميقة في تركيا، تَستعمل فيها الـ PKK أداةً لا حزبًا، ومرحلةً بَعد مرحلة، حتى يَصل المشروع كلّه إلى محطّته الأخيرة: تَصفية القضية الكوردية ذاتها عبر تَسوية شَكلية لا تَتضمّن اعترافًا، تَحت مسمّى «الاندماج الديمقراطي».

ثامنًا: محاولة تَكرار النَّموذج في سوريا

اليوم، في عام 2026، تَجري محاولاتٌ صريحة لِتَكرار النَّموذج ذاته في الساحة السورية. الـ PKK وأذرعه — التي تَتمَوضع تحت مسمَّيات قسد ومجلس سوريا الديمقراطية — يَسعى بنشاطٍ لافت إلى «اندماج ديمقراطي» مع الإدارة الانتقالية الجديدة في دمشق[12]، يَتمّ بموجبه التَّخلّي عن المسار السياسي الكوردي المستقلّ، مقابل صيغة إدارية محلّية بِلا ضمانات دستورية، تَخدم — في نهاية المطاف — استيعاب الملفّ الكوردي السوري ضمن المشروع التركي–السوري الجديد.

والظروف هذه المرّة قد لا تَتيح إنجاز الصفقة بنفس السرعة التي حَصلت في تركيا. فالواقع السوري أكثر تَعقيدًا: تَعدُّد الفاعلين، الحضور الدولي، التَّشابك مع إسرائيل في ملفّ الحدود الجنوبية، ضغوط الجالية الكوردية في الغرب، ومراقبة الإدارة الأمريكية بقايا الالتزام بمحاربة داعش. لكنّ الجهد المبذول في هذا الاتجاه واضحٌ لِمَن يَتابع المشهد.

والكورد السوريون اليوم — الذين كَتبتُ عنهم مرارًا أن سلاحهم لم يَكن سلاحَهم في أيّ لحظة، وأنهم وَجدوا أنفسهم في تَرتيبات لم يَختاروها — أمام مسؤولية تاريخية. يَنبغي عليهم أن يَفصلوا بين ما يَمثّلهم حقيقةً (الإطارات الكوردية السورية الأصيلة بحضورها التاريخي) وبين الإطار التنظيمي الذي دَخل من الخارج لإدارة الملفّ حصريًا. إذا تَركوا «الاندماج الديمقراطي» يَتمّ بنفس الطريقة التي حَصل بها في تركيا، فسَيَكتشفون بعد عقدٍ ما اكتَشفه إخوتهم في الشمال: لا اعتراف، لا حقوق، لا دستور. فقط لجنة برلمانية بـ 100 عضو لِمتابعة «الاندماج».

الدرس الكبير من 7 حزيران

بعد عَشر سنوات على ذلك اليوم الذي صَوَّت فيه الكورد بأملٍ غير مسبوق، ماذا تَبقّى؟ مَن صَوَّتوا حينها يَنظرون اليوم إلى مدنهم المُدمَّرة، إلى قائدهم في السجن، إلى حزبهم مَحلولًا أو شبه مَحلول، إلى التنظيم الذي ادَّعى تَمثيلهم وقد أُعلن تَصفيتُه «اندماجًا»، إلى مفاوضين يُسلِّمون السلاح دون أيّ اعتراف دستوري بهم بوصفهم شعبًا أو لغةً أو هويةً. هذا هو الثَّمن النهائي.

والعبرة الكبرى التي يَنبغي للكورد جميعًا أن يَستخلصوها، في تركيا وسوريا والعراق وإيران، أن الحركات التحرّرية لا تَنجح إلّا بقياداتٍ تَنبثق من الحاضنة الانتخابية الديمقراطية، لا من إملاءات تنظيمية فوقية. أن القضايا السياسية الكبرى لا تُسلَّم لِمن لا يَملك شَرعية تَمثيلها أمام صناديق الاقتراع. أن التَّفاوض على الحقوق دون ضمانات دستورية صريحة هو تَفاوضٌ على هزيمة. أن الأداة العسكرية حين تَنفصل عن القرار السياسي الديمقراطي تَتحوّل من أداة تحرير إلى أداة قمع، تَخدم — في نهاية المطاف — أَعداء القضية لا أصحابها.

ودمرتاش — الذي يُكمل اليوم سنتَه العاشرة في السجن — يَبقى في الذاكرة الكوردية بوصفه ما كان يُمكن أن يَكون، وما لا يَزال يُمكن أن يَكون، إذا استَوعب الكورد دروس 7 حزيران 2015. ليس البَطل القائد العسكري الذي يَفرض إرادته بِالسلاح، بل القائد الديمقراطي الذي يَنال شَرعيته من صندوق الاقتراع، ويَتحدّث باسم شعبه أمام البرلمان. هذا الدرس ربما يَستوجب عقدًا آخر من النضج الذاتي للحركة الكوردية لِيُستَوعَب. أتمنى ألّا يَستوجب أكثر.

سَلام العدالة، لا سلام التَّسوية. حقوقٌ دستورية مَكفولة، لا «اندماج ديمقراطي» بِلا اعتراف. قياداتٌ منتخَبة، لا قياداتٌ مفروضة. صناديقُ اقتراع، لا خنادقُ مدن. هذا ما تَعلَّمنا في 7 حزيران 2015. وهذا ما يَنبغي ألّا نَنساه ونحن نَكتب فصلَ التَّاريخ القادم.

 

في الذكرى العاشرة لِيوم كنّا فيه على عَتبة شيءٍ مختلف، ولِأبناء جيلٍ ما زال يَستحقّ أن يَستعيد تلك العَتبة.

 

[1]نتائج الانتخابات البرلمانية التركية في 7 حزيران/يونيو 2015: حَصل حزب الشعوب الديمقراطية (HDP) على 13.12% من الأصوات و80 مقعدًا، بقيادة صلاح الدين دمرتاش وفيغن يوكسكداغ. وكانت هذه المرّة الأولى منذ تأسيس الجمهورية التركية يَتجاوز فيها حزبٌ كوردي عتبة 10% ويَدخل البرلمان بقائمته الخاصّة لا عبر مرشّحين مستقلّين.

[2]نتائج إعادة الانتخابات في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2015: تَراجع HDP إلى 10.76% (59 مقعدًا)، فاقدًا نحو مليون ونصف صوت في غضون أربعة أشهر. في المقابل، استعاد حزب العدالة والتنمية (AKP) أغلبيته البرلمانية بـ 49.5% (317 مقعدًا) بقيادة أحمد داود أوغلو، ما مَكَّن أردوغان من تَشكيل حكومة منفردة دون الحاجة إلى شريك.

[3]إعلانات «الإدارة الذاتية» في المدن الكوردية ذات الأغلبية السكّانية، التي أَطلقها أنصار حزب العمّال الكوردستاني (PKK) بَين آب 2015 وآذار 2016. شَملت: نصيبين، سور (الحيّ التاريخي في دياربكر/آمد)، شرناخ، جزرة، سلوبي، إدِل، يوكسكوفا، فارتو، وغيرها. وأَفضى ذلك إلى عمليات عسكرية تركية واسعة تَحت مسمّى «حظر التَّجوّل»، استَخدمت فيها المدفعية الثقيلة والآليات داخل العمران الحضري.

[4]للتَّوثيق الأممي للتدمير الحضري والتَّهجير: تقرير المفوّضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) عن العمليات العسكرية في جنوب شرق تركيا، شباط 2017، الذي يُقدِّر عدد المُهجَّرين بنحو 355,000 إلى 500,000 شخص. وأشار التقرير إلى تَدمير شامل لِأحياء سور التاريخية، وتَهديم مَنازل في نصيبين وجزرة ومناطق أخرى. الموثَّق في: OHCHR, Report on the Human Rights Situation in South-East Turkey, July 2015 to December 2016 (February 2017).

[5]اعتقال صلاح الدين دمرتاش في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، مع رئيسة الحزب المشاركة فيغن يوكسكداغ وعدد من نوّاب HDP. يَقبع دمرتاش منذ ذلك التاريخ في سجن إديرنه، رغم أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR) المتَكرّرة بضرورة الإفراج عنه (قرار عام 2018 وقرار الغرفة الكبرى عام 2020). أيْ أن دمرتاش أَكمل في كانون الثاني 2026 ما يَزيد عن تسع سنوات وشهرَين معتقلًا، رغم بقاء عضويته البرلمانية حينها.

[6]إغلاق حزب الشعوب الديمقراطية (HDP): رَفعت النيابة العامّة في تركيا دعوى قضائية في 17 آذار 2021 أمام المحكمة الدستورية لِحلّ الحزب وتَجميد أصوله ومنع نحو 451 من قياداته من العمل السياسي. والقضية لا تَزال معلَّقة. وفي 2023 تَأسَّس حزب المساواة والديمقراطية للشعوب (DEM Party) بوصفه الخَلَف العملي. الموثَّق في تقارير الكومسيون الأوروبية السنوية حول تركيا.

[7]للقراءة المُفصَّلة للملفّ الكوردي السوري وحقيقة طبيعة السلاح في الساحة السورية، انظر: عبد الرحمن كلو، «ضرورات بناء تحالف عربي–كوردي في الشرق الأوسط — الجزء الرابع: مستلزمات النجاح والخاتمة العامة»، الشرط الثاني: «تَوضيح الحقائق التاريخية — ملفّ السلاح الكوردي في سوريا نموذجًا».

[8]تَسلسل اتفاق بخجلي–أوجلان: 22 تشرين الأوّل/أكتوبر 2024، صَافح زعيم حزب الحركة القومية (MHP) دولت بخجلي نوّاب DEM Party في البرلمان التركي علنًا — حَدثٌ غير مسبوق رمزيًا. ثم اقترح علنًا الإفراج عن عبد الله أوجلان من سجن إيمرالي مقابل حلّ PKK. وفي 23 تشرين الأوّل 2024، زار عمر أوجلان (ابن أخ الزعيم) عمَّه في السجن لأوّل مرّة منذ 43 شهرًا. ثم تَلَتها زيارات لِوفد DEM Party.

[9]«نداء السلام والمجتمع الديمقراطي»: الرسالة التي وَجَّهها عبد الله أوجلان من سجن إيمرالي في 27 شباط/فبراير 2025، وقَرَأها وفدُ حزب DEM Party في إسطنبول. تَدعو الـ PKK إلى وقف الكفاح المسلَّح، وعَقد مؤتمر للحزب، وحلّ نفسه. والنصّ الحرفي: «إنني أَدعو إلى إلقاء السلاح، وأَتحمّل المسؤولية التاريخية لهذه الدعوة». لاحظَ المُحلِّلون أن الرسالة دَعت الدولة التركية إلى «الدمقرطة» دون أن تَتضمّن — في المقابل — اعترافًا تركيًا دستوريًا بالشعب الكوردي أو بلغتهم.

[10]المؤتمر الثاني عشر للـ PKK: عُقد في الفترة 5–7 أيار/مايو 2025 في جبال قنديل بشمال العراق. أَعلن المؤتمر في ختامه (12 أيار 2025) حلّ التنظيم وإنهاء الكفاح المسلَّح بعد 41 سنة من تأسيسه (1984). ثم في 11 تموز/يوليو 2025، أُجريت مراسم رمزية لِحرق السلاح في منطقة شمال السليمانية كَإشارة على حُسن النيّة. أُعلن لاحقًا إنشاء لجنة برلمانية تركية بـ 100 عضو لِمُتابعة عملية «الاندماج الديمقراطي» — تَسمية رسمية تَستحقّ التَّأمّل: «اندماج» لا «اعتراف».

[11]للسياق الكامل لِتَحوُّل الحزب الـ PKK من «المسار العسكري» إلى «الاندماج الديمقراطي» دون الحصول على ضمانات دستورية للحقوق الكوردية، تَتوافر قراءات نقدية متعدّدة، منها: Arab Center Washington DC, “A New Phase in Turkey’s Kurdish Conflict”, 12 March 2025؛ Al Jazeera Centre for Studies, “The dissolution of the PKK: Strengthening Turkey internally and externally”, 18 June 2025؛ Royal United Services Institute (RUSI), “After the PKK: Peacebuilding Challenges in Turkey, Syria”, 3 June 2025. والأخيران يَستعملان عنوانًا دالًّا: التَّفكيك «يُقوّي تركيا» — أيْ أن النَّفع الاستراتيجي مَوضِعُه الدولة التركية، لا الحقوق الكوردية.

[12]تَتعرَّض كثير من المناطق الكوردية الواقعة تحت سيطرة قوّات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 إلى موجات من الضغط: عسكريًا من الفصائل المدعومة تركيًا، وسياسيًا من الإدارة الانتقالية في دمشق، ودوليًا من تَراجع الدعم الأمريكي مع انتهاء مهمّة «مكافحة الإرهاب». والمُحلِّلون يَطرحون اليوم سؤالًا جدّيًا: هل سَتُفضي هذه الضغوط إلى نموذج «اندماج ديمقراطي» مماثل في الساحة السورية؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى إن العقيدة النضالية التي تأسست عليها قوات البيشمركة تُجسد حقيقة جوهرية، وهي الولادة من رحم المعاناة والظلم والقهر، وكافة محاولات إضعاف الانتماء القومي الكوردستاني ومحو الهوية الوطنية التي مارستها الأنظمة المتعاقبة على احتلال كوردستان. كما أنها تشكلت نتيجة الظروف والتحديات السياسية الجيوستراتيجية والتعقيدات والمخاطر الأمنية التي مرّت بها المنطقة نتيجة انهيار الإمبراطورية العثمانية وتقاسم تَرِكتها إلى…

أحمد بلال أن ما يرد في المقال هو رأي وتحليل شخصي. عندما قرأت هذه العبارة على شاشة التلفزيون اليوم، تذكرت فورًا مثلًا شعبيًا متداولًا لدينا نحن أبناء عفرين. يُقال إن طبّالين تشاجرا، فرمى أحدهما الآخر بحجر، ثم صاح به مباشرة: “اخفض رأسك، لقد رميتك بحجر!”. وعلى حد علمي، لم يُذكر في منطقتنا أن طبّالًا قتل طبّالًا آخر، رغم وجود…

طهران – 6 يونيو 2026 شهدت عشرات المدن الإيرانية، السبت، موجة احتجاجات طلابية واسعة رفضا لما وصفه المحتجون بسياسات التمييز وعدم المساواة في النظام التعليمي، مطالبين بإصلاحات تضمن تكافؤ الفرص والعدالة بين جميع الطلاب. وامتدت الاحتجاجات إلى مدن عدة، من بينها طهران، وتبريز، وأصفهان، وكرمانشاه، والأهواز، وشيراز، ورشت، ومشهد، وأراك، وقم، وأردبيل، ويزد، وكرمان، وهمدان، وقزوين، وساري، وبجنورد،…

شادي حاجي على مدى عقود طويلة، انشغل الشعب الكردي والقوى السياسية الكردية بمعركة الوجود. كانت الأولوية حماية الهوية، والحفاظ على اللغة، والدفاع عن الحقوق الأساسية في مواجهة مشاريع الإنكار والإقصاء. وفي ظل الحروب والتحولات العاصفة التي شهدتها المنطقة، بدا البقاء بحد ذاته إنجازاً يستحق الاحتفاء. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زال البقاء كافياً؟ في السياسة…