فيصل اسماعيل
تتردد كثيراً بين الكورد مقولة: “علينا أن ندافع عن البيشمركة كما دافعوا عنا”. وهذه العبارة ليست مجرد تعبير عاطفي أو موقف سياسي عابر، بل تلخص علاقة تاريخية طويلة بين البيشمركة والشعب الكوردي، علاقة صاغتها التضحيات المشتركة والدماء التي امتزجت في سبيل الدفاع عن الأرض والهوية والكرامة.
فالبيشمركة لم تكن مجرد تشكيل عسكري، بل تحولت عبر عقود من النضال إلى رمز وطني ارتبط باسم المقاومة والصمود والدفاع عن الوجود الكوردي في مختلف المراحل التاريخية. وقد قدمت آلاف الشهداء دفاعاً عن شعبها، وأسهمت في حماية مدن وقرى كوردستان، كما لعبت دوراً أساسياً في مواجهة الإرهاب والتطرف عندما تعرضت المنطقة لأخطر التهديدات.
لكن العلاقة بين البيشمركة والشعب لم تكن يوماً علاقة أحادية الاتجاه، فكما دافعت البيشمركة عن الشعب، كان الشعب الكوردي الحاضنة الحقيقية لها. فمن بين صفوفه خرج المقاتلون، ومن قراه ومدنه تلقت الدعم والإسناد، ومن صبره وتضحياته استمدت شرعيتها وقوتها. ولذلك فإن قوة البيشمركة وقوة الشعب الكوردي ظلتا دائماً وجهين لحقيقة واحدة.
وقد لعب القادة البارزانيون [وما رسالة الرئيس مسعود البارزاني الا تعبيرا عن ذلك] ، دوراً محورياً في ترسيخ هذه العلاقة، من خلال التأكيد على أن البيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية، بل جزء من المشروع الوطني الكوردي وحصن من حصون الدفاع عن الحقوق القومية للشعب الكوردي.
ورغم هذه المكانة التاريخية، تواجه قوات البيشمركة اليوم تحديات متزايدة تتجاوز الجانب العسكري لتشمل أبعادا سياسية وقانونية وإعلامية. فإلى جانب حملات التشويه ومحاولات التقليل من دورها وتضحياتها، برزت خلال السنوات الأخيرة دعوات ومقترحات تنادي بدمج قوات البيشمركة بالكامل ضمن وزارة الدفاع العراقية، وهو ما يثير مخاوف شريحة واسعة من الكورد الذين يرون في ذلك مساسا بخصوصية واحدة من أهم المؤسسات الوطنية الكوردستانية.
ولعل من أكثر هذه الدعوات إثارة للجدل، بل إن بعض الأوساط الكوردية تصفها بأنها تمثل تراجعا عن الثوابت الوطنية، ما يطرحه بافل طالباني “رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني” بشأن دمج قوات البيشمركة ضمن قوات وزارة الدفاع العراقية، على غرار النموذج المطروح لدمج قوات قسد. ويرى منتقدو هذا الطرح أن البيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية، بل مؤسسة وطنية ارتبطت بتاريخ النضال الكوردي وتضحياته، الأمر الذي يجعل أي حديث عن دمجها الكامل قضية بالغة الحساسية على المستويين الوطني والسياسي.
وتزداد أهمية هذا الجدل إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن وجود البيشمركة لا يستند فقط إلى تاريخها النضالي، بل أيضاً إلى أساس دستوري وقانوني. فالمادة (121/خامساً) من الدستور العراقي لسنة 2005 تنص على حق الإقليم في “إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم”. ويرى كثير من المختصين والقوى السياسية الكوردية أن المقصود بحرس الإقليم هو قوات البيشمركة، ما يمنحها شرعية دستورية واضحة ضمن النظام الاتحادي العراقي.
كما أثارت بعض المواقف السياسية التي تحدثت عن دمج البيشمركة ضمن المؤسسة العسكرية العراقية نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الكوردية. ويرى منتقدو هذه الطروحات أن تطوير البيشمركة وتوحيدها مهنياً شيء، وإلغاء خصوصيتها الدستورية أو تذويبها داخل مؤسسات أخرى شيء مختلف تماماً، خاصة في ظل التجارب التاريخية التي دفعت الكورد إلى التمسك بوجود قوة دستورية خاصة بهم تحمي الإقليم ومكتسباته.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن التحديات الخارجية ليست وحدها ما يهدد البيشمركة. فالتجارب التاريخية أثبتت أن الانقسامات الكوردية الداخلية كانت دائماً المدخل الذي استغلته القوى المعادية لإضعاف الموقف الكوردي. ولذلك فإن الخلافات السياسية والصراعات الحزبية والخطابات التخوينية تشكل خطراً لا يقل عن أي ضغوط خارجية.
كما أن استهداف البيشمركة لا يعني بالضرورة استهداف قوة عسكرية فقط، بل استهداف رمز من رموز النضال الوطني الكوردي. فكل محاولة للتشكيك بتاريخها أو التقليل من تضحياتها تمس جزءاً من الذاكرة الوطنية للكورد، لأن هذه المؤسسة ارتبطت في وجدان الكثيرين بالدفاع عن الأرض والشعب في أصعب المراحل.
ومن المهم أيضاً إدراك أن الدعم الدولي الذي حصل عليه الكورد والبيشمركة عبر مراحل مختلفة كان غالباً محكوماً بالمصالح السياسية والاستراتيجية للدول، وليس التزاماً دائماً تجاه القضية الكوردية. ولذلك بقي الشعب الكوردي والبيشمركة السند الحقيقي لبعضهما البعض عندما تغيرت التحالفات وتبدلت المواقف الدولية.
إن الدفاع عن البيشمركة لا يعني الدفاع عن الأخطاء أو منح حصانة لأي جهة سياسية، بل يعني الدفاع عن مؤسسة وطنية دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها، والعمل في الوقت ذاته على تطويرها وتوحيدها وتعزيز مهنيتها وإبعادها عن الخلافات الحزبية الضيقة.
فبين مؤامرات الخارج وأخطاء الداخل، تبقى الحقيقة الأهم أن مستقبل الكورد وأمنهم واستقرارهم لا يمكن أن يُبنى إلا على وحدة الصف الوطني واحترام المؤسسات التي قدمت التضحيات من أجل الشعب. وكما دافعت البيشمركة عن الكورد في أحلك الظروف، فإن مسؤولية الكورد اليوم هي الدفاع عن مكانة هذه المؤسسة وصون شر عيتها الدستورية والوطنية، لأن الشعوب التي تنسى من دافع عنها بالأمس قد تجد نفسها عاجزة عن الدفاع عن مستقبلها غداً.