د. مرشد اليوسف
على امتداد القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، عاشت الحركة السياسية الكردية في تركيا وسائر أجزاء كردستان سلسلة طويلة من التحولات والتجارب المتناقضة.
فمن جهة، كانت هناك فترات انفتاح وحوارات ومفاوضات مع الحكومات ووعود بالإصلاح، ومن جهة أخرى كانت هناك انتكاسات متكررة أعادت إنتاج مشاعر الشك وعدم الثقة لدى قطاعات واسعة من المجتمع الكردي.
لقد تعلم الكرد من التجربة أكثر مما تعلموا من الخطابات والوعود .
فالتاريخ السياسي الكردي الحديث لم يُكتب فقط في المؤتمرات والبرلمانات، بل كُتب أيضًا في السجون والقرى المدمرة وموجات النزوح والحرمان من الحقوق الثقافية والسياسية.
ولهذا أصبحت الذاكرة السياسية الكردية شديدة الحساسية تجاه الوعود التي لا تستند إلى ضمانات عملية.
في هذا السياق، ينظر كثير من الكرد إلى أي حديث رسمي عن التسوية أو الإصلاح أو الاعتراف بالحقوق من خلال عدسة التجارب السابقة. فالمفاوضات التي جرت في مراحل مختلفة من تاريخ الجمهورية التركية، ولا سيما تجربة عملية السلام بين عامي 2013 و2015، تركت آثارًا عميقة في الوعي الكردي .
ومن هنا تنشأ المخاوف من أن تتحول بعض المبادرات الحكومية إلى أدوات لإدارة الوقت أو تهدئة الشارع أو كسب مكاسب انتخابية ، دون الوصول إلى حلول جذرية للقضية الكردية. فكلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية الكبرى، تعود الأسئلة القديمة إلى الواجهة:
هل نحن أمام تحول حقيقي أم أمام تكتيك سياسي جديد؟
غير أن النقد الكردي لا يقتصر على الحكومات وحدها.
فداخل المجتمع الكردي نفسه توجد أصوات كثيرة تنتقد ظاهرة الانتهازية السياسية.
إذ شهدت الساحة الكردية، مثل غيرها من الساحات السياسية، ظهور شخصيات وجماعات بنت حضورها على استثمار القضية الكردية أكثر من خدمة القضية نفسها.
و بعضهم حول المعاناة الجماعية إلى وسيلة للنفوذ الشخصي،و الحزبي .
وبعضهم استبدل العمل السياسي الجاد بالشعارات الكبرى والخطابات العاطفية.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتحول القضية القومية من مشروع تحرر وحقوق إلى سوق للمزايدات الأيديولوجية. فحين يصبح الخطاب بديلاً عن الإنجاز، وتصبح الشعارات بديلاً عن البرامج الواقعية، تتسع الفجوة بين النخب السياسية والشارع الشعبي.
ولكن ما يميز المرحلة الراهنة هو أن المجتمع الكردي لم يعد ذلك المجتمع الذي كان يعتمد بشكل كامل على ما تقوله الأحزاب أو الزعامات التقليدية. فالتعليم، ووسائل الإعلام الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتجارب الإدارة الذاتية والحكم الفيدرالي في أجزاء مختلفة من كردستان، كلها عوامل ساهمت في إنتاج جيل جديد أكثر استقلالية في التفكير السياسي.
لقد أصبح المواطن الكردي العادي أكثر قدرة على المقارنة بين الخطاب والواقع، وبين الوعود والنتائج. وهو ما سيؤدي إلى تراجع التأثير المطلق للرموز السياسية والاحزاب التقليدية.
فالثقة لن تُمنح بشكل مجاني، بل ستبنى على أساس الأداء والشفافية والقدرة على تحقيق الإنجازات الملموسة.
ومن الناحية السوسيولوجية، يمكن القول إن المجتمع الكردي يعيش اليوم مرحلة انتقال من “سياسة الرموز” إلى “سياسة المصالح والحقوق”. ففي الماضي كانت العاطفة القومية وحدها كافية لحشد الجماهير، أما اليوم فإن قطاعات متزايدة من الكرد تسأل عن الاقتصاد والتعليم والإدارة والحقوق الدستورية وفرص العمل ومستقبل الأجيال القادمة.
وهذا التحول يمثل أحد أهم التغيرات في الوعي السياسي الكردي المعاصر.
فالقضية الكردية لم تعد مجرد قضية هوية فقط، بل أصبحت أيضًا قضية حكم وإدارة وتنمية وحقوق المواطنة.
وفي ضوء ذلك، فإن أي جهة سياسية، سواء كانت دولة أو حزبًا أو حركة، لن تستطيع كسب ثقة المجتمع الكردي عبر الخطابات وحدها.
فالمرحلة الجديدة تتطلب أفعالًا ملموسة أكثر من الكلمات، وبرامج واقعية أكثر من الشعارات، ومؤسسات قوية أكثر من الشخصيات الكاريزمية.
لقد أنتجت العقود الطويلة من الصراع والوعود المكسورة شعبًا أكثر حذرًا وأقل قابلية للتأثر بالدعاية السياسية. ولذلك فإن مستقبل العلاقة بين الكرد والقوى السياسية المختلفة لن تحدده الخطب الانتخابية أو الوعود المؤقتة، بل ستحدده القدرة الحقيقية على تحويل الحقوق والمطالب إلى واقع سياسي وقانوني مستدام.
وهكذا يقف الكرد اليوم أمام مرحلة جديدة من النضج السياسي، مرحلة لم يعد السؤال فيها:
من يرفع الشعارات الأكبر؟ بل من يملك المشروع الأكثر واقعية وقدرة على خدمة الناس وحماية حقوقهم ومستقبلهم.