البيت الكوردي في سوريا وتحديات المرحلة

عزالدين ملا

الساحة الكوردية السورية تمر اليوم في أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود، ليس فقط بسبب التحولات الكبرى التي عرفتها سوريا بعد سقوط نظام البعث والأسد، بل أيضاً بسبب التصدعات العميقة داخل البيت الكوردي نفسه والانقسام الحاد حول طبيعة المشروع السياسي الكوردي وحدود العلاقة مع السلطة السورية الجديدة وشكل الشراكة الوطنية المطلوبة في المرحلة المقبلة.

فالمشهد الذي رافق انتخابات البرلمان السوري في محافظة الحسكة وكوباني لم يكن مجرد تباين عابر في المواقف السياسية، بل عكس أزمة بنيوية أعمق تتعلق بمفهوم الشرعية والتمثيل والوصاية السياسية ومستقبل القضية الكوردية السورية برمتها.

لقد أظهرت تلك الانتخابات انقساماً واضحاً بين مَنْ قاطعها باعتبارها خطوةً لا تخدم المشروع القومي الكوردي، ولا تعكس إرادة سياسية حقيقية، وبين مَنْ شارك فيها بوصفها محاولة لكسر الاحتكار السياسي المفروض على القرار الكوردي السوري أو باعتبارها تعبيراً عن التعاطي مع واقع سياسي جديد فرضته التحولات السورية والإقليمية. إلا أن الخطير في هذا المشهد لم يكن الاختلاف السياسي بحد ذاته، فالتعددية ظاهرة صحية في أي مجتمع حي وإنما في الطريقة التي جرى بها التعامل مع هذا الاختلاف.

هنا تبرز إحدى أخطر الأزمات التي تعاني منها الحركة السياسية الكوردية السورية، والمتمثلة في غياب ثقافة الشراكة الوطنية والقومية داخل البيت الكوردي نفسه. فهناك تيار سياسي تعامل طوال السنوات الماضية مع القضية الكوردية باعتبارها ملكية تنظيمية مغلقة، وليس قضية شعب له الحقُّ في التنوع والاختلاف والاجتهاد السياسي. هذا التيار لم يكتفِ بالهيمنة على القرار السياسي والعسكري في كوردستان سوريا، بل عمل أيضاً على احتكار تعريف الوطنية والخيانة، بحيث يصبح كل من لا ينسجم مع خطه السياسي أو رؤيته الأيديولوجية مشروع عدو أو عميل أو خائن للقضية.

والمفارقة أن هذا السلوك لم يكن قائماً على معايير وطنية ثابتة، بل خضع في كثير من الأحيان لتقلبات المصالح والتحولات الإقليمية والأيديولوجية. فمن كان يُتهم بالخيانة في مرحلة معينة قد يتحول إلى شريك في مرحلة أخرى إذا اقتضت الضرورات السياسية ذلك، والعكس صحيح. وهذا يكشف أن معيار التخوين لم يكن دائماً مرتبطاً بمصلحة القضية الكوردية في سوريا وإنما بمقدار الانسجام أو التعارض مع توجهات القوى المهيمنة ومصالحها الآنية.

في المقابل، برزت قوى وشخصيات سياسية كوردية حافظت نسبياً على خطاب أكثر ثباتاً في الدفاع عن الحقوق القومية للكورد السوريين، والدعوة إلى شراكة وطنية حقيقية داخل سوريا الجديدة، إلا أن هذه القوى بقيت محاصرة بحملات إعلامية منظمة وبتضييق سياسي وأمني وبحالة من الترهيب المعنوي التي دفعت كثيراً من الكورد السوريين إلى الصمت أو الانكفاء خوفاً من حملات التشهير والتخوين والاستهداف السياسي والاجتماعي.

لقد تشكل خلال السنوات الماضية نوع من الإرهاب السياسي والإعلامي داخل المجتمع الكوردي السوري، يقوم على إخضاع الرأي العام عبر التخويف المعنوي وخلق ثنائية زائفة، إما الاصطفاف الكامل مع السلطة القائمة في المناطق الكوردية أو السقوط في خانة الخيانة والعداء للقضية القومية. وهذه الحالة أضعفت الحياة السياسية الكوردية وقضت على فرص إنتاج نقاش سياسي صحي وأفقدت الشارع الكوردي القدرة على التعبير الحر عن مواقفه الحقيقية.

من هنا يمكن فهم حالة التراجع التي أصابت القضية الكوردية السورية خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط على مستوى الإنجازات السياسية بل أيضاً على مستوى الطموح الاستراتيجي. فبعد أن كانت التطلعات تتجه نحو بناء مشروع سياسي قومي متكامل قائم على الشراكة الدستورية والاعتراف بالحقوق القومية للكورد ضمن سوريا ديمقراطية تعددية، تراجعت الأولويات تدريجياً نحو مجرد إدارة الأزمات اليومية والدفاع عن الوجود الكوردي في مواجهة المخاطر المحيطة.

هذا التراجع انعكس بوضوح في طبيعة التعاطي مع العديد من المبادرات والاستحقاقات السياسية، حيث أصبحت كثير من القرارات تُتخذ ضمن منطق إدارة الأمر الواقع لا ضمن رؤية وطنية استراتيجية بعيدة المدى. ويمكن النظر إلى المشاركة في انتخابات البرلمان السوري بوصفها نموذجاً معبّراً عن هذه الحالة، إذ لم تُطرح ضمن مشروع سياسي واضح المعالم، بل جرى التعامل معها غالباً كأداة لكسر احتكار الوصاية السياسية الذي تمارسه منظومة الاتحاد الديمقراطي والحكومة المؤقتة على القرار الكوردي السوري أكثر من كونها خطوة مدروسة ضمن استراتيجية سياسية متكاملة.

في جوهر الأزمة، يبرز عامل أساسي يتمثل في تفرد منظومة حزب العمال الكردستاني ومحيطها التنظيمي بالقرارين السياسي والعسكري في غربي كوردستان. فمنذ سنوات جرى تهميش معظم القوى السياسية الكوردية الأخرى وإضعاف التعددية السياسية وربط مستقبل القضية الكوردية السورية بمشروع أيديولوجي عابر للحدود لا ينطلق بالضرورة من خصوصية الواقع السوري وتعقيداته.

لقد أدّى هذا النهج إلى إضعاف القدرة على قراءة التحوُّلات الجيوسياسية الكبرى المحيطة بالملف السوري، سواءً على مستوى العلاقات الدولية أو التوازنات الإقليمية. فبدلاً من بناء مشروع سياسي واقعي وقابل للتحقق، جرى الاعتماد على شعارات أيديولوجية ذات طابع طوباوي، تفتقر إلى الأدوات العملية والمرونة السياسية اللازمة للتعامل مع واقع شديد التعقيد والتقلب.

كما أن ربط القضية الكوردية السورية بمشاريع وأجندات إقليمية أوسع جعلها عرضة للاهتزاز مع كل تحول إقليمي أو دولي، وأفقدها جزءاً كبيراً من استقلاليتها السياسية. ومع سلسلة التراجعات والانكسارات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، أصبح واضحاً أن سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة لا يمكن أن تشكل بديلاً عن بناء مشروع وطني جامع ومستدام يحظى بشرعية شعبية حقيقية واعتراف وطني سوري واسع.

لكن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط لا يكفي لفهم عمق الأزمة، فهناك أيضاً ضعف واضح في البديل السياسي الكوردي. فالأحزاب والقوى الأخرى عانت بدورها من الانقسام، والعجز التنظيمي وغياب الرؤية المشتركة وعدم القدرة على إنتاج مشروع سياسي موحد ومقنع. كما أن جزءاً من هذا الضعف يرتبط بعوامل موضوعية تتعلق بتعقيدات المشهد السوري، والتدخلات الإقليمية والدولية، وصعوبة العمل السياسي في بيئة شديدة الاضطراب.

لقد ساهم هذا الضعف في إفراغ المشروع السياسي الكوردي من كثير من مضامينه التاريخية والقومية، وتحويله من مشروع يسعى إلى شراكة سياسية متوازنة وحقوق قومية واضحة، إلى حالة دفاعية مرتبكة تفتقر إلى روح المبادرة والرؤية الاستراتيجية البعيدة المدى.

مع ذلك، فإن سقوط نظام البعث والأسد يفتح أمام الكورد السوريين فرصة تاريخية جديدة، ربما تكون الأهم منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. فالكورد كانوا تاريخياً جزءاً أساسياً من قوى المعارضة السورية ضد النظام الاستبدادي، ودفعوا أثماناً باهظة في مواجهة سياسات القمع والتهميش والإقصاء القومي. واليوم، بعد انتهاء تلك الحقبة المظلمة، يصبح من الطبيعي أن يتّجه الكورد نحو المطالبة بشراكة حقيقية في بناء سوريا الجديدة، لا باعتبارهم جماعة هامشية أو ملفاً أمنياً بل باعتبارهم مكوناً أصيلاً من مكونات الشعب السوري.

إن مستقبل القضية الكوردية السورية لا يمكن أن يُبنى على العزلة ولا على الاحتكار السياسي ولا على الشعارات الأيديولوجية المغلقة، بل على مشروع وطني ديمقراطي عقلاني، يقوم على الاعتراف المتبادل والتعددية السياسية والشراكة مع بقية السوريين في بناء دولة تقوم على العدالة والمساواة والمواطنة الحقيقية.

كما أن نجاحَ أيّ مشروعٍ كورديٍّ مستقبلي يتطلب إعادة بناء الثقة داخل البيت الكوردي أولاً، عبر إنهاء منطق التخوين والإقصاء والقبول بالتعددية السياسية وفتح المجال أمام نقاش حر ومسؤول حول الخيارات الاستراتيجية للقضية الكوردية السورية. فالقضية القومية لا يمكن أن تُختزل في حزب أو منظومة أو أيديولوجيا، بل هي قضية شعب كامل من حقه أن يختلف وينتقد ويعيد تقييم مساراته السياسية دون خوف أو ترهيب.

إذاً، فإن الكورد السوريين يقفون اليوم أمام مفترق تاريخي حاسم، إما الاستمرار في الدوران داخل دوامة الانقسام والوصاية السياسية والصراعات الأيديولوجية، بما يحول القضية الكوردية إلى مجرد ملف تفاوضي هش مرتبط بتوازنات الخارج وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الواقعية السياسية والشراكة الوطنية السورية وبناء مشروع كوردي ديمقراطي مستقل الإرادة، واضح الأهداف وقادر على حماية الحقوق القومية ضمن سوريا مستقرة وعادلة لكل أبنائها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي تواجه الساحة الفكرية والسياسية الكردية اليوم أزمة وعي حادة تفرضها شريحة متزايدة من الكتّاب والمعلقين هؤلاء يعتمدون على نقل الأخبار السطحية من صفحات الأنترنيت دون تدقيق، للشهرة واكتساب صفة المحلل السياسي. تعتمد تلك الأقلام على وسائل الاعلام التجارية والمحرضة وتزيف الحقائق .وتحول في نظر الشارع إلى حقائق مطلقة، مما يساهم في تزييف الوعي العام وتوجيه الجمهور نحو…

يسرى زبير في زمن التكنولوجيا، يبرز سؤال ملح: هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؟ في زمنٍ أصبح فيه المثقف مهمشاً، والكاتب مهملاً، والشاعر مستبعداً، والكتب مركونة على الرفوف يكسوها الغبار في الزوايا، يبرز هذا السؤال بإلحاح أكبر. في الوقت الذي كان فيه كثيرون عاجزين عن كتابة سطر واحد، أو بعيدين عن عالم القراءة والكتب، أصبحوا بين ليلة وضحاها يقدمون أنفسهم…

حسن قاسم في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتكشف بين الحين والآخر مواقف وتصريحات تعيد التأكيد على ثوابت السياسة التركية تجاه القضية الكوردية. فالتصريحات المنسوبة إلى رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق، والتي تحدث فيها عن نجاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم دعم أي مشروع قد يقود إلى قيام كيان كوردي في إيران، تعكس…

أمين كلين ياسادة الافاضل : نحن الشعب الكردي في سورية ماذا نريد ؟ هل الاحزاب الكردية الكثيرة تمثل مطالبنا حقا ؟ نعم الشعب الكردي يريد حقوقا قومية كاملة ضمن الدولة السورية القائمة دون مواربة ، لان الحكومات السورية المتعاقبة ودون استثناء كانت تتهم الحركة الكردية بالانفصال ، لم نجد حزبا كرديا واحدا يدعو الى الانفصال ، والاجهزة الأمنية كانت توجه…